فمن بعضاً سخرياً ، وإما لحكم أخرى علمها مدبر الكائنات ، وربما مداركهم وإرادتهم وسائر قواهم وغير ذلك من أحوالهم ، لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع دون جدل أو مراء ، ويستيقن بأن الله الواهب النعم ، المفيض للخير له سبحانه أن يختص بعض عباده بسعة الفكر ، ورحابة الصدر وكمال الصبر ، وحسن القيادة وسلامة الأخلاق ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة ، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم ، ويوحى إليهم بما فيه سعادة الخلق ، وصلاح الكون رحمة للعالمين ، وأعذارً للكافرين وإقامة للحجة على الناس أجمعين ، فإنه سبحانه بيده ملكوت كل شيء لا يرد قضاؤه ، ولا يمنع عطاؤه بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير.
قال الله تعالى (َرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ، وقال : (ُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً).
إن الفطر السليمة التى فطر الله عليها الناس لا تستبعد أيضاً ما مضت به سنة الله في عباده ، و قضت به حكمته وعدله في خلقه من إرساله سبحانه رسلاً مبشرين ومنذرين ، بل أذعنت له ، وأيقنت به ، استجابة لمقتضي العقول الرشيدة ، بل اعترف الكفار بذلك مع انحرافهم وسلوكهم غير المنهج القويم ، ولم ينكروا الرسالة نفسها ، ولم يستبعدوا حاجتهم الهداية من الله عن طريق روح طيبة يختارها الله لوحيه أو نفس طاهرة يصطفيها الله لتبليغ شرعه، لكنهم استبعدوا أن يكون الرسل من البشر ، وظنوا خطأ أنها إنما تكون من الملائكة ، زعماً منهم أن البشرية تنافي هذه الرسالة فإنه مهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه ، واتسعت مداركه ، فهو في نظرهم أقل في نظرهم أقل شأناً من أن يوحى الله إليه ، وأحقر في زعمهم من أن يختاره الله لتحمل أعباء رسالته ، وإبلاغ شريعته.