فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده ، من التفاوت بينهم في مداركهم وقواهم وإرادتهم وغير ذلك من أحوالهم ، لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع ويستيقن أن الله ينبى من شاء من خلقه ، ويصطفى من أرادس من عباده (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً). (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) . (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا أصل الرسالة ، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحاً طيبة لوحيه أو يختار نفساً طاهرة لتبلغ رسالته وهداية خلقه ، لكنهم استبعدوا أن كون ذلك الرسول من البشر ، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة ، زعماً منهم أن البشرية تنافى الرسالة ، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه ، واتسعت مداركه ، فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلاً لأن يوحى الله إليه وأحقر من أن يختاره سبحانه لتحمل أعباء رسالتهم .
وقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له ، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك.