تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخفض والانكسار. وأحس كلاهما بكل ما جاش في نفس صاحبه، فأدركه الدوار!

وفي هذه اللحظة وجد ذراعه تتراخى قليلاً فترتمي على ظهر المقعد، ونظر فإذا رأسها المشرئب المتطلع يهوى ويسقط، ويتخاذل متنها المنتصب، فيتقوس في انحناء!

وهم ّ أن يدعوها إلى مغادرة السينما، ولكن ريقه قد جف، فلم يدر لسانه بكلمة، واستمر ينظر إلى الشاشة، وهو يحس الاختناق!

وبينما كانت القصة تسير كانا يحسان شيئاً فشيئا بانفراج الهوة بينهما، وتقطع الأواصر التي تربطهما، وفي كل خطوة كان يتكشف لهما المصير المحتوم، ويشعران أن علاقتهما منخوبة، وأن السوس ينخر في صميمها. وفي نهاية الرواية كانت البطلة قد عادت إلى حبيبها الأول. وكانت العلاقة بينهما قد انتهت كذلك.

لقد أحسا أن ما تم على الشاشة هو الذي تم في الحياة!

وأضيئت الأنوار فأحس بالدوار، ووقف يستمع إلى النشيد الملكي، بينما كانت لا تزال جالسة في خور، فنبهها بغمزة فوقفت، ثم تحركت الجموع للخروج فاندسا في غمار الجماهير، ونسيا أنفسهما لحظة إلى الباب، وخرجا من السينما صامتين، وركبا الترام صامتين. وعادا إلى الدار في همود.

كان كلاهما يحس أنه لا يجد نفسه ولا يجد صاحبه، وأن كل سبب بينهما قد انبتّ، فلم تعد بينهما نقطة اتصال.

وكان كلاهما لا يجد ما يقوله، ومع هذا كان يود أن بقول شيئاً يقطع به هذا الصمت البغيض، الذي يثقل لحظة بعد أخرى، ويخنق أنفاسهما كالتنين. ولكنهما في النهاية لم يجدا كلمة تقال.

كان خطيبها أمام أهلها وأمام الناس، وكان أهلها لا يعلمون مما بينهما شيئاً، ولا يجرؤ هو ولا هي على مكاشفتهم بشيء، فكانا يصارعان الكارثة وحدهما، ويتظاهران بالمرح والسعادة في جميع الأحوال!

رواية أشواك - سيد قطب · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواية أشواك - سيد قطبص ٢٤