تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحياناً درجة الفتنة وكانت فتنة كفتنة الذهب تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها فلا تعود خليطاً مجهول القيم . وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه يصور الأحداث ويلقي الأضواء في منحنياتها وزواياها فتنكشف المواقف والمشاعر والنوايا والضمائر ، ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة النور عارية من كل رداء وستار ، ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة ويربيها يوماً بعد يوم وحادثاً بعد حادث ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد . ولم يترك المسلمون لهذا القرآن يتنزل بالأوامر والنواهي وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ، إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات ، والفتن والامتحانات ، فقد علم الله أن هذه الخليقة لا تصاغ صياغة سليمة ولا تنضج نضجاً صحيحاً ، ولا تصح ولا تستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية التي تحفر في القلوب وتنقش في الأعصاب وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث ، أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ، وليواجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة ساخنة بحرارة الابتلاء قابلة للطرق مطاوعة للصياغة .

إن الله لم يدع المسلمين للمشاعر وحدها تربيهم وتنضج شخصيتهم المسلمة ، بل أخذهم بالتجارب الواقعية والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ، وكل ذلك لحكمة يعلمها وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير وهذه هي التربية الحقيقية .

هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلاً ، ندركها ونتدبرها ، ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير . حكمة التربية بالجهاد في سبيل الله .

الى المتثاقلين عن الجهاد · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الى المتثاقلين عن الجهادص ٥