تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((كانت الفكرة التى تقوم عليها الإمبراطوية الرومانية الاجتياح بالقوة، واستغلال الأقوام الآخرين لفائدة الوطن الأم وحده . وفى سبيل الترفيه عن فئة ممتازة لم ير الرومان فى عنفهم سوءاً ولا فى ظلمهم انحطاطاً . وإن (( العدل الرومانى)) الشهير كان عدلاً للرومانيين وحدهم. ومن البين أن اتجاهاً كهذا، كان ممكناً فقط على أساس ادراك مادى خالص للحياة وللحضارة. إدراك مادى هذبه على التأكيد ذوق فكرى. ولكنه على كل حال بعيد عن جميع القيم الروحية. إن الرومانيين – فى الحقيقة – لم يعرفوا الدين . وإن آلهتهم التقليدية لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية.. لقد كانت أشباحاً سكت عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعى. ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل فى أمور الحياة الحقيقية. بل كان عليها أن تنطق بالرجز على ألسنة عرافيها – إذا سئلت مثل ذلك – ولكن لم يكن ينتظر منها أن تمنح البشر شرائع خلقية0

((تلك كانت التربة التى نمت فيها المدنية الغربية الحديثة .. ولقد عملت فيها بلا شك مؤثرات أخرى كثيرة فى اثناء تطورها. ثم إنها بطبيعة الحال قد بدلت وحورت فى ذلك الإرث الثقافى الذى ورثته عن رومية فى أكثر من ناحية واحدة.. ولكن الحقيقة الباقية أن كل ما هو اليوم حقيقى فى الاستشراف الغربى للحياة والأخلاق، يرجع إلى المدنية الرومانية.. وكما أن الجو الفكرى والاجتماعى فى رومية القديمة كان نفعياً بحتاً، ولا دينياً – على الافتراض بل على الحقيقة – فكذلك هو فى الغرب الحديث .. ومن غير أن يكون لدى الأوروبى برهان على بطلان الدين المطلق ، ومن غير أن يسلم بالحاجة إلى مثل هذا البرهان، ترى التفكير الأوروبى الحديث – بينما هو متسامح فى الدين، وأحياناً يؤكد أنه عرف اجتماعى – ترك على العموم ، الأخلاق المطلقة خارج نطاق الاعتبارات العملية0

الإسلام ومشكلات الحضارة · الصفحة ٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام ومشكلات الحضارةص ٧٠