تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفقد الإنسان كل ما كان التصور الدينى قد أسبغه عليه من تكريم وتفرد وخصوصية. كما فقد كل ما كانت الفلسفة قد خلعته عليه فى عصر التنوير من إجابية واستقلال وسيطرة. وعاد حيواناً – ككل حيوان آخر – ولو أنه له السيطرة اليوم، فإن هذه السيطرة قد تؤول إلى قط أو فأر فى يوم من الأيام. كما يحكى جوليان هكسلى !

ثم تمت الضربة القاضية على يد ((فرويد)) من جانب، و((كارل ماركس)) من الجانب الآخر. الأول يرد دوافع الإنسان كلها إلى الميول الجنسية، ويصوره غارقاً فى وحل الجنس إلى الأذقان .. والثانى يرد تطورات التاريخ كلها إلى الاقتصاد، ويصور الإنسان مخلوقاً ضئيلاً سلبياً، لا حول له ولا قوة أمام إله الاقتصاد بل إله أداة الإنتاج!

* * *

وكذلك جاء التخبط فى النظرة إلى سلوك الإنسان تجاه ميوله الفطرية، واستعداداته وطاقاته، وتجاه الأخلاق المرضية من المجتمع، والتى تطبع سلوك الأفراد فى شتى المجتمعات0

لقد ظلت أوروبا تتراوح بين الإفراط والتفريط,. بين الكبت والتهور. بين سحق الميول الفطرية والطاقات الطبيعية فى الإنسان أو إطلاقها بغير عنان,.. ولم تلتزم جادة الاعتدال أبداً فى تاريخها الطويل. ولم يقع التوازن فى تصوراتها ولا فى حياتها تبعاً لذلك فى وقت من الأوقات0

ونبدأ بملاحظة واقع أوروبا – فى هذا الجانب – منذ أيام الدولة الرومانية.. يصور ((درابر)) الأمريكى فى كتابه ((الدين والعلم))ن حالة الدولة الرومانية قبيل دخولها فى النصرانية هذه الصورة البارعة :

الإسلام ومشكلات الحضارة · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإسلام ومشكلات الحضارةص ٤٧