إن المرأة بوصفها مثيراً، والقصيدة بوصفها استجابة لهذا المثير غير الثابت الشديد التنوع والتبدل والتغير، كل جزء فيه يوحي بآلاف الصور، وكل عنصر فيه ينشطر إلى ذرات وجزيئيات شتى، وطبيعي أن تكون الاستجابة لهذا الثابت المتغير الشديد التنوع هي الأخرى متغيرة وأكثر تنوعاً.
إن محاولة إحصاء الصور التي يوحي بها كل جزء في جسد المرأة يشكل حقلاً دلالياً مدهشاً، كل عنصر فيه ينتج آلاف الصور، وأي جزء فيه يحرك كوامن الشاعر، ويجعله يتفنن في رسم لوحات فنية بالكلمات ويشكل صوراً تضفي على ذلك الجزء جمالاً لا يضاهيه جمال، ولعل الدهشة التي تثيرها أجزاء جسد المرأة لا تقل إثارة عن تلك التي تثيرها أشياؤها، ومن ثم كان ذلك الكم الهائل من الصور.
إن المرأة في شعر نزار قباني مثير ثابت، ولكنه دائم التجدد. أو هو دائرة كبرى تحوي دوائر صغرى وأخرى أصغر تولد أنواعاً وأشكالاً من الاستجابات حين تغدو هي الأخرى مثيرات ضمن عالم الإغراء. ونزار قباني يعبر عن هذه الحقيقة شعرياً حين يقول:
أحبك جداً..
ويقلقني أن يمر نهار
ولا تحدثين به خضة في حياتي..
ولا تحدثين انقلاباً بشعري
ولا تشعلين الحرائق في كلماتي ... (48)
ويمكن أن نتمثل لذلك بهذا الشكل:
هذه العناصر تعمل في اتجاه واحد هو الإغراء والإثارة ومن ثم توقظ عواطف شتى، وتسيطر على الحواس بنسب متفاوتة. فمن حاسة البصر إلى حاسة الشم إلى حاسة السمع إلى حاسة الذوق إلى حاسة اللمس إلى تراسل هذه الحواس أحياناً ترسم صورة هذا الجسد.
إن الحديث عن مفاتن جسد المرأة معروف في الشعر العربي وأنتج معجماً خاصاً، يمكن إحصاء كلماته ودلالاتها المتشابهة، ومن ثم الوصول إلى معجم لجمالية هذا الجسد، بيد أن هذا الجسد عند نزار قباني شكل عالماً لا حدود له، وأنشأ لغة خاصة من حيث التوليد الدلالي للكلمات والصور الذهنية غير المحدودة.