هكذا تغدو المرأة الفعلية الواقعية بسحر جمالها وخفة ظلها وجاذبيتها مثيراً آنياً يدفع إلى الاستجابة إليه والاستمتاع به وتحقيق لذة حواسية من خلال فسح المجال للخيال يستحضر صوراً يصنعها انطلاقاً من أنموذج مستقر في الذهن قابل للإيحاء بآلاف الصور والأشكال. إنها المرأة المستقرة التي غازلها وغازلته ذات يوم، ومن ثم كان الحب في قصائده علاقة غامضة مع امرأة غامضة.
إن المرأة في كل قصيدة من قصائده هي امرأة منزاحة عن الأنموذج الأول هذا الأنموذج هو بمثابة البنية على ما يقول البنيويون، وهي الأسطورة الشخصية حسب تعبير شارل مورون، وهي الموضوع حسب مصطلح الموضوعاتيين فمهما تراءت لنا جديدة لا تغدو كونها تكراراً لصورة مركزية مع الانزياح أحياناً والمطابقة في بعض الأحيان. وتعدد وجوهها ويخدعنا النص في كل مرة بأنه يقدم لنا صورة جديدة.
وإِذا وضعنا قاموساً لكل الصور المركزية للمرأة في كل ما كتبه نزار قباني فإننا نخلص إلى القول: إن الأنموذج لم يتغير. ولذلك ينقلنا دائماً من الوهم إلى الواقع ثم يعود إلى الوهم. الوهم هو ذلك التصور الثابت المحدد عن المرأة، والواقع هو تلك التصورات المنزاحة عن الوهم، من هنا أهمية إيجاد صورة ثم نفيها، كل امرأة تحمل بذور استمرارها وفي الوقت ذاته بذور فنائها، إنها ثنائية عجيبة تحكم عالم قصائد الشاعر وتظهر باستمرار في شكل تناقض بين الطهر والدنس فانظر إلى هذه الصورة التي تشير إلى بداية الخليقة، إلى أول علاقة قامت بين الرجل والمرأة أي تلك العلاقة التي ربطت آدم بحواء:
أتصور أنك أول أنثى..
ظهرت منذ ملايين الأعوام
وبأني أول رجل عشق امرأة..
منذ ملايين الأعوام(34).
إن هذا التصور للمرأة يجعل فضاء اللذة رحباً حين يلغي النساء والرجال جميعاً ولا يبقي إلا على رجل واحد وامرأة واحدة هما بمثابة آدم تعود علاقتهما إلى ملايين السنين وهذه العلاقة فيها من المقدس مافيها من المدنس.