لقد أخفق الفلاسفة المثاليون، كما تبيَّن لنا، في تقديم الدليل على الغائية الكونية عملياً، وإن أثبتوها نظرياً. كما أخفق الفلاسفة الماديون في إثبات نظرية الصدفة، وإن نجحوا في كسب كثير من المؤيدين لها. وفي النهاية اعترف الفلاسفة بعجز العقل عن معرفة ما حدث وما يحدث وراء الطبيعة، واقترحوا دوراً أكثر تواضعاً للفلسفة وهي مواجهة الواقع والتعامل معه فقط لأنه الحقيقة الوحيدة التي يستطيع العقل إدراكها. وظلّت الأديان وحدها في كل بقاع الأرض تدعو إلى الإيمان بالله خالق كل شيء، وتدعو إلى الإيمان بالحساب بعد الموت، وتعلن أن الكون يسير وفقاً لإرادة الله وحكمته. ولكن ما هو الدليل الديني على وجود هذه الإرادة الإلهية الخالقة والمريدة؟. هل يوجد دليل يمكن أن يدركه غير الرسل والأنبياء، وأن يلمسه البشر؟. إذا وجدنا مثل هذا الدليل سنكون قد حصلنا على الجواب وحلت المشكلة، أما إذا لم نجد هذا الدليل العملي، فسيكون قد أغلق الطريق. وما علينا إلا قبول الإيمان تقليداً وتصديقاً للرسل. وسيكون الفرق بين إيماننا وإيمانهم كالفرق بين المشاهد، وغير المشاهد الذي إن قبل الأخبار من المشاهد سيكون قد قبلها بناء على حسن الظن برواية الشاهد وصدقه. وهذا حال كل متلق لمعلومات أو أخبار لا يستطيع أن يتحقق من صحتها. ولكن الرسل خلافاً للفلاسفة حددوا لنا الطريق لمعرفة الله، وقد وضعوا كل إنسان أمام خيارين، فإما أن يقبل الأخبار والمعلومات التي أتى بها الرسل ويسلم بصدقها، وإما إن عليه أن يتحقق بنفسه من هذه المعلومات بسلوك الطريق الذي حدده الرسل، فما هو الطريق لمعرفة الله والتأكد من وجود غائية تقود مسار الكون وتتحكم في مصيره؟.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٩٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي