تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنها بلاغة السفسطة، لا بلاغة الحق. وفي مثل هذه البلاغة يجد كل فريق لنفسه كل الحق. وإننا في الحوار بين المثالية والمادية لا يتاح لنا اكتشاف الحقيقة لأننا إذا كنا سنحكم بموجب العقد لا الحق، فإن الفريقين يجب أن يربحا القضية، أما إذا كنا سنحكم بموجب الحق فإن الأستاذ يجب أن يربح القضية. ولكن السفسطة في الكلام تقودنا إلى مثل هذه النتائج. ونحن لا نتهم أي فريق بعدم الإخلاص والجد في بحثه عن الحقيقة، ومع ذلك فإن الحقيقة ظلّت وستظل، الآن وغداً وفي المستقبل، غامضة، لأننا نبحث عنها بأدوات لا تلائم مثل هذا البحث كما يتبيّن لكل مجادل إذا ما دقق في طبيعة البحث الذي يتعامل معه. إن المادي يعتمد على حواسه في معرفة مسبب الأسباب فلا يشاهد إلا الطبيعة، والمثالي يريد أن يقنعه بالأدلة العقلية على الله كفاعل من وراء الأسباب. المادي يعتمد على حواسه، وعلى التجربة المباشرة لرؤية الأسباب، والمثالي يريد أن يدلّه على سبب لا يراه، ولكن يستنتجه عقلياً. كلاهما مثل الأستاذ وتلميذه يملكان الأدلة على ما يقولان، ولكنها غير مقنعة. وأين الحقيقة هل هي في "الماء" كما رأى طاليس (أواخر القرن السابع ـ منتصف القرن السادس ق.م) أم في "الهواء" كما قال أنكسمانس (588 – 528 ق.م). أم في المادة التي ليس لها كيف معين ولا كم محدد لكونها مزيجاً من الأضداد الحار والبارد والرطب واليابس، كما قالت مدرسة ملطية وأستاذها أنا كسمندر (ولد حوالي 610 ق.م)، وكذلك أنباذ وقليس (حوالي 443 ق.م) الذي كان قد قال ـ إن كل شيء في الكون مؤلف من العناصر الأربعة بنسب مختلفة ـ وهي النار والماء والهواء والتراب. أم هيراقليطس (530 – 470 ق.م) الذي رأى أن "النار" هي أصل الوجود، أم مبدأ الذرات التي لا ترى بالعين ولا تنقسم كما رأى ديمقريطس (حوالي 460 ق.م) ولوقيبوس قبله. أم في "الله" كما رأى أفلاطون (427 ـ 347 ق.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٩