إن الإبداع لا يمكن أن ينتج إلا عن العلم والإرادة. ولكن القدرة قد تنتج عن غير العالم. فما تؤثر فيه المادة بطبيعتها، هو قدرة موجودة فيها لا تخضع لأي غايات، وليس لها أي تعلق بالعلم في العالم، فالجاذبية تجذب دون علم لها بما تجذب وبما ينجذب إليها، فهي إذا نظرنا إليها مجرّدة مفصولة عن ترتيب الحكيم الخبير، سنجد بأن لها قدرة على التأثير، ولو أن كل عنصر في الطبيعة تركت له حرية التصرف فإن الفوضى ستسود الكون. ولهذا فإن العاقل يؤمن بوجود المنظم بإدراكه للنظام الكوني. فلولا القادر والعليم لما ظهر النظام في العالم ولما ظهر الإنسان العاقل. لهذا ضلّ الماديون عندما حكموا على المظاهر المادية وظنوا أنها بقدراتها الذاتية تستطيع أن تخلق ذاتياً النظام. ولم يدركوا أن القدرة دون حكمة لا تؤدي إلى الإبداع والنظام. فاكتشاف الكهرباء في المادة لا يؤدي إلى استخدامها، ولا يمكن للمادة أن تقوم بالصدفة بتمديد الكهرباء للمدن وإنارتها، إذ لابدَّ من وجود العاقل الذي يملك العلم بالكهرباء للاستفادة منها واستثمارها بالطريقة الأفضل. وهل يمكن أن نتصور نظاماً بلا منظم؟. ولهذا أحالنا الله على أنفسنا لمعرفته، وعلى الأكوان أيضاً لرؤية النظام. فإذا كان الحادث قد يحدث بقدرة قادرة عن علم أو دون علم، فإن النظام لا يمكن أن يحدث حدوثاً ذاتياً بالصدفة. قال الله: ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ (الذاريات/20-21). لقد أحالنا الله على الكون لمعرفته، وعلى نفوسنا. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : [من عرف نفسه عرف ربه]. عندما يعرف الإنسان ما في نفسه من الآيات، ومن أين أتى بها، سيدرك مصدر العلوم التي لديه، والعقل الذي ينظم به الأرض.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٥٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٥٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي