قلنا إن الصانع لكي يحقق الغاية مما يصنع لابدَّ له من السيطرة على مصنوعاته بحيث لا تخرج عمّا يريد دائماً وأبداً. وهذا يقودنا إلى مواجهة مشكلة القضاء والقدر. فإذا كان كل شيء، وكل عمل، قد تقرر مسبقاً فما هي الفائدة من العمل، وما معنى الثواب والعقاب؟ وإذا كان الإنسان المحكوم بالثواب والعقاب لا يستطيع أن يخرج عن إرادة الله، فأي فضل له فيما عمل من خير، وأي ذنب له فيما قدم من شرور؟. لو تأملنا مثل هذه الأسئلة ووضعناها في ميزان العدل، فإننا سنحكم على السيد الذي يأمر عبده بتنفيذ عمل ثمَّ يعاقبه عليه بالظلم. بل إن المسألة ستبدو مضحكة إذا حكم الإنسان على الإنسان الآلي المبرمج بالنار أو السجن وحكم لغيره بالتكريم، بل أن عقد مثل هذه المحكمة للحكم على إنسان آلي سيبدو سخيفاً ومضحكاً. فإذا كان الإنسان يتحسس مسألة العدالة ويدركها، فهل نال مثل هذا الإدراك إلا من صانعه. فكيف سننسب إلى الله مثل هذا السلوك والإنسان يأباه؟. وهل الإنسان آلة؟. لقد بيّن الله أنه وهب لآدم كل العلوم، وهذا يشمل ذريته، فالابن سر أبيه، وبيَّن له عن طريق الرسل طريق الخير والشر ﴿ إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ﴾ (الإنسان/3). ومن هنا صدر الحكم عليه. وبالأحرى هو الذي أصدر الحكم على نفسه بما قدمت يداه. ولكن هل يستطيع الشرير أن يفعل ما يشاء؟. هنا سنواجه الدوائر المحددة التي تنتهي عندها حرية كل إنسان وتفشل عندما يواجه قدرة الله. لقد ترك الله بمشيئته الحرية للإنسان في دائرته الخاصة ليحكم بها عليه بما حكم هو على نفسه، حيث سيكون حصاده من نوع ما زرع. ولكن هذه الدائرة الخاصة لها حدود لا يستطيع أي إنسان أن يتجاوزها وإن رغب في ذلك، وسوف يبلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار بعلم الله، عندما يرتقي المسلمون وترتقي البشرية إلى مستوى اختيار العلم قاعدة للحكم، للإبقاء على ما ينفع الناس في الأرض وترك ما يضرهم.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي