ولفرط تدنّي الروح الخالدة في هبوطها هذا تفقد عقلها إلى حين. إلا أنها تستطيع من بعد، بالتثقّف وممارسة الأبحاث العلمية، أن تستعيد هي ذاتها نظام حركاتها المتشوّش فترةً من الزمن. إن هذه الفكرة مأنوسة لدى أفلاطون. غير أن التجسد الأول ستعقبه تجسدات متتابعة، لا تتدخل فيها الآلهة، بل تتعلق فقط بالسيرة الصالحة أو الطالحة التي تنهجها الأرواح البشريّة في هذه الدنيا. لأن هناك بعض التجانس والتقارب بين الصورة التي يتّخذها البشر في حياتهم الجديدة، وبين سلوكهم على الأرض. وفعلاً في ولاداتها الجديدة تستطيع الأرواح البشرية أن تعود وتتجسّد في أجسام بهائم من كل نوع، حتى في أجسام الأسماك والرخويّات (كالحلزون والمحارات وما إليها). إن أفلاطون لا يتكلّم، شأن أمبْذُكْلِيس، عن تجسّد جديد من النبات. وإذا استثنينا هذا الأمر، فهو يعرض لتعليم تجدّد الولادة في شكله الأعم. وأجسام كل الحيوانات بلا استثناء، تبدو قابلة لإيواء الأرواح البشرية الساقطة.
إن تأكيداً كهذا يبدو مناقضاً لنصوص عدّة في حوارٍ فيذْرُس والجمهوريّة. فطبقاً لتعليم فيذْرُس، روح حيوانية، بمعنى الكلمة الحصري، لم تشاهد قطّ الحقيقة، لا تستطيع أن تحيا في جسد إنسان. ومن ثمّ ألا يجب، مقابل ذلك، القول بأن روحاً بشريّة، ولو ساقطة، لا تستطيع هي أيضاً أن توجد وتعيش في جسم حيوان؟ لاسيّما وإن ما يميّز الإنسان تمييزاً خاصّاً، هو وجود الروح العليا فيه، تلك الروح التي صوّرها المُبدع بذاته، أي الذيْمُن (الملاك أو الجنّي) والبْسخِي (النفس) واللُوْغُيسَ (النطق والعقل). والحال أن هذه الموهبة والخلّة، البشرية في جوهرها، مفقودة في الحيوان.
ومع ذلك، إن كان التقمّص في شكل حيوان عقاباً، فهذا العقاب لا ينال إلاّ النُوْس (أي الإدراك والفهم والروح العاقلة). فكيف قد يتمكّن العقل، الغريب برمّته عن الطبيعة الحيوانيّة، أن يقطن فيها ولو برهةً واحدة؟