تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن مشكلة أفلاطون تكمن في أنّ عالم البصيرة لم يفتح أمامه كاملاً وإنْ عرف طريقة الوصول إليه، كما حددها ـ بالتأمل ـ ووصل بالبصيرة لبعض المعلومات، ولكن ما نقصه من المعلومات ملأه بتصوّرات العقل، ومنه نشأ الالتباس والتردد والحيرة في كلِّ ما كتبه عن الروح والألوهيّة، وإنْ أدرك "أنَّ ذاك النظام والانسجام في العالم، ليس مصدرهما الروح فحسب بل حكمة جلّى وعقلاً أسمى يسوسان الكون كعلّة فائقة" (90). أنّ العقل يستطيع أن يدرك بعض الحقائق، أو أنّه يدرك منها قسمها الظاهر، ولكنه لا يدركها كلَّ الإدراك. وهذا ما فهمه أفلاطون "إنْ لم يكن العقل عين الحقيقة، فهو ما يدانيها أعظم مداناة... لن يجد المرء بصورة أكيدة أن شيئاً ما، يفوق اللذة والتنعم إفراطاً وشططاً. كما لا يجد ما يفوق العقل اتّزاناً واعتدالاً... فهل استطاع أحد قط، أن يرى أو يتخيّل حتى في الحلم أنّ العقل أو الحكمة هما قبيحان؟ في حال إن اللذة، حيث تبلغ ذروة المتعة، هي من الخزي ومن القبح الزري بمقدار، نُضطر معه أن نأتمن الليل عليها، كأنما لا يليق بالنهار، أو يفرض عليه ألاَّ ينير دمامتها.." (91). سيظل هاجس أفلاطون في كل حياته الوصول إلى حقيقة الحقائق، ولكن بأدوات عقلية غالباً لا تساعده على الوصول إلى مثل هذه المعرفة، وكما أن الصور المادية لا تُشهد إلاَّ بالعين، فكذلك الروح لا تُعرف إلاّ بالروح، والألوهيّة لا تُعرف إلاّ بإمداد إلهي عند تطور الروح إلى حدٍّ تصبح معه مؤهّلة للتلقي الأقدس، وكما قال ابن عربي

إذا تجلّى حبيبي" ... بأيِّ عين تَراهُ؟

بَعينه لا بعيني ... فما يراهُ سواه

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ١٣٩