وأن كل إنسان ما دام يملك عقلاً فإن من حقه أن يتصرف على هواه؟. لقد عادت المشكلة كما بدأت إلى العقل ومعه. فهل كل ما يراه العقل صحيحاً؟.
مشكلة العقل
لقد تبيّن لنا أن العقل الذي اعتقد بصحة قضية هنا، اعتقد بصحة نقيضها هناك. وهذه التناقضات بين فلاسفة وعلماء، من المفترض أنهم على قدر عال من المعرفة، بحيث يستطيعون أن يقدموا لنا الحقيقة، أدّت بنا اختلافاتهم وتناقضاتهم إلى الشكوك والقلق، فنشأ من ذلك علم اللاحقيقة، الذي ترجم إلى النسبية في العلوم الإنسانية كما في العلوم الطبيعية المستقاة من نظرية أنشتاين. ومعنى النسبية في أي علم هو غياب الحقيقة. فهل الحقائق غائبة فعلاً، أم أن عجزنا الإنساني هو الذي أملى علينا أن نزعم بأن ما يحكم الطبيعة والمخلوقات هو قانون النسبية؟. ولكن هل النسبية يجب أن تعني، أو هل هي تعني في علومنا الإنسانية غياب الحقيقة وقبول المتناقضات، أم إنها تعني نسبية أحكامنا وعلومنا بالقياس إلى الحقيقة المطلقة التي لم نتمكن من إدراكها؟. إننا قد ندرك حداً معيناً من الحقائق وهذا لا يعني أننا أدركنا كل الحقائق، كما أنه لا يعني أننا لم ندرك شيئاً. لقد تأكّد لنا أن الأرض تدور حول الشمس ولكننا قد لا ندرك الحقيقة الباقية عن سبب دوران الشمس وحول من تدور هي أيضاً. ولكن ما عرفناه عندما نتأكد منه بالتجربة، وتشهد الحواس على صحة ما توصل إليه العقل، سنكون قد وصلنا إلى جزء من حقيقة المسألة التي نبحث فيها. إذاً لابد في كل علم للتأكد من صحة ما توقعه العقل من شهادة الحواس. إن العلماء عندما يكتشفون دواء يجربونه على المرضى، وبواسطة النتائج يحكمون إن كان مفيداً أم لا، لأن العقل وحده لا يستطيع أن يحكم بصحة ما أعتقد بفائدته، ولا حاجة لكي نبرهن على أخطاء العباقرة في كثير من الأمور البسيطة أحياناً، وفي مجالات سببت للبشرية الكثير من الكوارث والمآسي.