تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهيم. فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنّبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير، وعناق فذبحت العناق وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئت النّبيّ ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج. فقلت: طعيّم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.

قال: «كم هو؟» فذكرت له. قال: «كثير طيّب» . قال: «قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي» . فقال: «قوموا»، فقام المهاجرون والأنصار، فلمّا دخل على امرأته قال: ويحك جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! قالت: هل سألك؟ قلت:

نعم. فقال: «ادخلوا ولا تضاغطوا»، فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللّحم، ويخمّر البرمة والتّنّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه ثمّ ينزع، فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتّى شبعوا، وبقي بقيّة. قال: «كلي هذا، وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة» «١» .

الشّاهد في الحديث:

أن الصحابة رضي الله عنهم عند قيامهم بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب، عجزوا عن كسر وتفتيت قطعة صلبة من الأرض حيث إن الفأس لا يؤثر فيها لشدتها، فجاؤا إلى النبي ﷺ كأنهم يستنجدون به من المأزق الذي وقعوا فيه، فنزل النبي ﷺ وأخذ الفأس وضرب الصخرة، فتحولت إلى تل من الرمال، مع العلم بأن النبي لبث ثلاثة أيام لا يذوق طعاما، مما يجعله في أشد حالات الضعف، ومما يدل على قوته ﷺ وكمال رجولته، ما روى أنس بن مالك قال: (كان النّبيّ ﷺ يدور «٢» على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار وهنّ إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟! قال: كنّا نتحدّث أنّه أعطي قوّة ثلاثين) «٣» .

وفي الحديث فوائد منها:

الفائدة الأولى:

أخلاق النبي ﷺ العالية، ويظهر ذلك في كونه لم يؤثر نفسه بطعام ولا بشراب مخصوص، دون بقية العسكر- مع أنه القائد- بل ربط الحجر على بطنه، ثلاثة أيام من الجوع، وما امتنع عن العمل وهو القائد لجوعه الشديد، بل اشترك معهم في العمل،

(١) البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب برقم (٤١٠١) .

(٢) يدور على نسائه: يجامعهن.

(٣) البخاري، كتاب: الغسل، باب: إذا جامع ثم عاد ...، برقم (٢٦٨) .

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلمج ١ · ص ٣٥٠