إنّها التعبئة القادرة على انتزاع الخوف من الطاغوت، يقول تعالى:''فلا تخشوا النّاس واخشون'' (1)،وهذا نهى لأَتْباعِ الحق عن خشيتهم غير الله (2)،وبها-أيضا-نتخلص من حظ النفس وحظ الشيطان، يقول تعالى:''فاعبد الله مخلصا له الدين'' (3)،أي من الشرك والرياء؛ فالإخلاص أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه (4)،ولن يكون هذا إلاّ بتعبئة روحية مستمرة لا تنقطع أرشد الله-سبحانه-إليها موسى ومن معه من المؤمنين، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أولا: ذكر الله
بذكر الله تطمئنّ القلوب، وترجع لجميع أقضية الحق، يقول تعالى:''ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب'' (5)،أي تسكن وتستأنس بذكره فتطمئنّ (6)؛فالذكر صفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية وحصول الذوق والشوق (7).وذكر الله سبحانه مطلوب في كل حين، وهو عند الشدائد آكد، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:''لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم'' (8).وكم نحن بحاجة إلى تلك الطمأنينة حين يشتد النّزال مع الطاغوت.
وبالذكر تكون المعية مع الله، ففي الحديث القدسي''وأنا معه حين يذكرني'' (9)،أي (معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة) (10).تلك المعية التي أيقنها موسى عليه السلام حين (لحق فرعون بجمعه-أي جمع موسى-وقرب منهم ورأت بنو إسرائيل العدو القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى:''إنّا لمدركون'' (11)،فردّ عليهم قولهم وزجرهم وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر) (12)،فكان جوابه عليه السلام لهم:''كلاّ إنّ معي ربي
(1) [المائدة:45].
(2) انظر: تفسير النسفي (1/ 284).
(3) [الزمر:2].
(4) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 57) وفتح القدير (4/ 448).
(5) [الرعد:28].
(6) انظر: تفسير الطبري (13/ 145).
(7) انظر: فيض القدير (5/ 409).
(8) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب دعاء الكرب (4/ 2092) رقم (2730).
(9) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى (4/ 2067) رقم (2675).
(10) السيوطي: أبو الفضل، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن الكمال (849 - 911 هـ)،الديباج على صحيح مسلم،6 أجزاء، تحقيق: أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان، الخبر-السعودية،1416 هـ-1996 م. (6/ 44/2675)،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الديباج).
(11) [الشعراء:61].
(12) تفسير القرطبي (13/ 106).