شأنه أن يوقظ القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان) (1)،لذلك علم الله سبحانه موسى عليه السلام كيف يخاطب الطاغية بأحب أسلوب وأشده جاذبية للقلوب، لعله ينتهي، ويتقي غضب الله وأخذه، وفي (هذه الآية عبرة عظيمة وهي أنّ فرعون في غاية العتو والإستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين) (2).يقول تعالى:’’اذهب إلى فرعون إنّه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى‘‘ (3)،هل لك الى أن تتطهر من الكفر والطغيان ومن دنس الذنوب؟ ’’وأهديك الى ربك فتخشى‘‘ (4) .. هل لك أن أعرفك طريق ربك. فتخافه وتتقيه، إذ الخشية إنّما تكون بعد المعرفة. فما يطغى الإنسان ويعصي إلاّ وهو بعيد عن ربه (5).
ومن هنا-أيضا-نفهم قوله تعالى لسيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم:’’فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك‘‘ (6). أي (فبرحمة من الله لنت لهم أي سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم بالغضب، ولو كنت فظا يعني جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال، غليظ القلب لانفضوا من حولك أي نفروا وتفرقوا عنك) (7)،فالقليل من العطف على أخطاء النّاس وهفواتهم، وعدم تتبع عوراتهم وزلاّتهم تقرّب المسافة بيننا وبينهم، وليس هذا تملق أو تزييف للحقيقة بل إيصالها بوجه حسن وأسلوب يرفع قابلية النّاس لاستقبال دعوتنا إلى الله سبحانه.
وهكذا جعل لين الجانب من مظاهر رحمة الله على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه ذلك قوله تعالى:’’لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم‘‘ (8).ممّا (يدل على وجوب استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى) (9)،كما في قوله تعالى:’’أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن‘‘ (10).
ولمّا كان لين القول ليس على حساب الحقيقة زاد موسى عليه السلام في بيانه، فقال:’’إنّا قد أوحي إلينا أنّ العذاب على من كذب وتولى‘‘ (11)،أي أنّ العذاب على من كذّب الرسل وتولى عن
(1) في ظلال القرآن (5/ 474).
(2) تفيسر ابن كثير (3/ 154).
(3) [النّازعات:17 - 18].
(4) [النّازعات:19].
(5) انظر: تفسير الطبري (30/ 39) وتفسير البيضاوي (5/ 447) وتفسير القرطبي (19/ 201).
(6) [آل عمران:159].
(7) تفسير البغوي (1/ 365) مع بعض التصرف. وانظر: تفسير النسفي (1/ 188) والدر المنثور (2/ 358) ومعاني القرآن (1/ 500) وتفسير الثعالبي (1/ 326) وتفسير الجلالين (1/ 89).
(8) [التوبة:128].
(9) أحكام القرآن للجصاص (2/ 329).
(10) [النحل:125].
(11) [طه:48].