.
لأمير المؤمنين تأديب رعيته
وأما قول: "إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات".
فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لَمّا وَلى أقرّ ابن مسعود على ما كان عليه من الكوفة، إلى أن جرى من ابن مسعود ما جرى، وما مات ابن مسعود من ضرب عثمان أصلاً.
وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمَّاراً، فهذا لا يقدح في أحد منهم؛ فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين. وقد قدَّمنا أن وليَّ الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزيز؟
وقد ضرب عمر بن الخطاب أُبَيْ بن كعب بالدِّرَّة لما رأى الناس يمشون خلفه. فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.
فإن كان عثمان أدّب هؤلاء، فإما أن يكون عثمان مصيباً في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك، أ, يكون ذلك الذي عُزِّروا عليه تابوا منه، أو كفِّر عنهم بالتعزير وغيره من المصائب، أو بحسناتهم العظيمة، أو بغير ذلك.
وإما أن يقال: كانوا مظلومين مطلقاً، فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة، فإنه أفضل منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة.
وقد يكون الإمام مجتهداً في العقوبة مثاباً عليها، وأولئك مجتهدون فيما فعلوه لا يأثمون به، بل يثابون عليه لاجتهادهم. مثل شهادة أبي بكرة على المغيرة، فإن أبا بكرة رجل صالح من خيار المسلمين، وقد كان محتسباً في شهادته معتقداً أنه يُثاب على ذلك، وعمر أيضاً محتسب في إقامة الحدّ عليه مثاب على ذلك.
فلا يمتنع أن يكون ما جرى من عثمان في تأديب ابن مسعود وعمَّار من هذا الباب.
وإذا كان المقتتلون قد يكون كل منهم مجتهداً مغفوراً له خطؤه فالمختصمون أولى بذلك.
وإما أن يقال: كان مجتهداً وكانوا مجتهدين. فمثل هذا يقع كثيراً: يفعل الرجل شيئاً باجتهاده، ويرى ولي الأمر أن مصلحة المسلمين لا تتم إلا بعقوبته، كما أنها لا تتم إلا بعقوبة المتعدّي، وإن تاب بعد رفعه إلى الإمام.