، فإن أبا ذر رضي الله عنه كان رجلاً صالحاً زاهداً، وكان من مذهبه أن الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلاً عن حاجته فهو كنز يكوى به في النار، واحتج على ذلك بما لا حجة فيه من الكتاب والسنة احتج بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34]، وجعل الكنز ما يفضل عن الحاجة، واحتج بما سمعه من النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه قال: ”يا أبا ذر ما أحب أن لي مثل أُحُد ذهباً يمضي عليه ثالثة وعندي منه دينار، إلا ديناراً أرصده لديه“ وأنه قال: ”الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا“(1).
ولما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالاً، جعل أبو ذر ذلك من الكنز الذي يعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب.
وافق أبا ذر على هذا طائفة من النّسّاك، كما يذكر عن عبد الواحد بن زيد ونحوه، ومن الناس من يجعل الشبلي من أرباب هذا القول. وأما الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول(2).
(1) هذان جزءان من حديث واحد عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع اختلاف في الألفاظ في: البخاري 3/116 (كتاب الاستقراض، باب أداء الديون)، 8/94-95 (كتاب الرقاق، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أحب أن لي مثل أحد ذهباً)، 8/60-61 (كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك)، مسلم 2/687-688 (كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة).
(2) قال أبو عبد الرحمن: انظر قول المفسرين للآيتين 34، 35 من سورة التوبة للوقوف على معنى الكنز، لا سيما: تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي وأضواء البيان للشنقيطي.