وكان خير الناس بعده وبعد المرسلين أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وقد تواترت بذلك الأحاديث المستفيضه الصحيحة التي لا تعتل ، المرويةٍ في الأمهات والأصول المستقيمة ، التي ليست بمعلولة ولا سقيمه . قال سبحانه : "وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ " فنعته بالفضل . ولا خلاف أن ذلك فيه رضوان الله عليه ، وقال سبحانه : " ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ" فشهدت له الربوبيه بالصحبة وبشره بالسكينه وحلاه بثانى اثنين . كما قال على كرم الله وجهه: من يكون أفضل من اثنين الله ثالثهما . وقال سبحانه : " وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ " ، لا خلاف وهو قول جعفر الصادق رضوان الله عليه ، وقول على كرم الله وجهه ، إن الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى صدق به أبو بكر . وأي منقبه أبلغ من هذا ، ولما أخبرنا سبحانه وتعالى : أنه لا يستوى السابقون ومن بعدهم بقوله سبحانه وتعالى : " لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى "والخبر في البخاري مسطور : أن عقبة بن أبى معيط وضع رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم في عنقه وخنقه به ، فأقبل أبو بكر يعدو حول الكعبة ويقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ؟ قال : فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبى بكر فضربوه حتى لم يعرف أنفه من وجهه ، فكان أول من جاهد وقاتل ونصر دين الله، وأنه الشخص الذي به قام الدين وظهر ، وهو أول القوم إسلاما ، وذلك ظاهر جلى. وقال جابر بن عبد الله الأنصارى : كنا ذات يوم على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتذاكر الفضائل فيما بيننا إذ أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أفيكم أبو بكر ؟ قالوا: لا ، قال : لا يفضلن أحد منكم على أبى بكر ، فإنه أفضلكم في الدنيا والآخرة .
وخبر أبى الدرداء المشهور قال : رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أمشى أمام أبى بكر ، وقال : يا أبا الدرداء أتمشى أمام من هو خير منك ؟ ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر . ومن وجه آخر : أتمشى بين يدى من هو خير منك ؟ فقلت يا رسول الله : أبو بكر خير منى ؟ قال : ومن أهل مكة جميعاً ، قلت يا رسول الله : أبو بكر خير منى ومن أهل مكة جميعاً؟ قال : ومن أهل المدينة جميعاً ، قلت : يا رسول الله : أبو بكر خير منى ومن أهل الحرمين ؟ قال : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بعد النبيين والمرسلين خيرا وأفضل من أبى بكر .
ونذكر في كثير منها تخيير عمر بعده ثم عثمان ثم على .
فمن ذلك خبر أبى عقال قد رواه مالك ، وقد سأل عليا كرم الله وجهه وهو على المنبر : من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم أنا ، وإلا فصمت أذنأي إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلا فعميت وأشار إلى عينيه إن لم أكن رأيته ـ يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ما طلعت الشمس ولا غربت على رجلين أعدل ولا أفضل ـ وروى ولا أزكى ولا خيراً ـ من أبى بكر وعمر .
وقد روى محمد بن الحنفية قال : سألت والدى علياً وأنا في حجره ، فقلت: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أبو بكر . قلت : ثم من ؟ قال : عمر ، ثم حملتنى حداثة سنى قلت : ثم أنت يا أبتى ؟ قال : أبوك رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم .
وخبر أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر وعمر خير أهل السماء وخير أهل الأرض ، وخير الأولين ، وخير الآخرين إلا النبيين والمرسلين . وقال صلى الله عليه وسلم: على وفاطمة والحسن والحسين أهلي ، وأبو بكر وعمر أهل الله وأهل الله خير من أهلي . وقال صلى الله عليه وسلم : لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان الأمة لرجح .
وخبر عمار بن ياسر رضي الله عنه المشهور قال : قلت يا رسول الله : أخبرني عن فضائل عمر . فقال : يا عمار لقد سألتنى عما سألت عنه جبريل عليه السلام ، فقال لي يا محمد : لو مكثت معك ما مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً أحدثك في فضائل عمر ما نفذت ، وإن عمر لحسنة من حسنات أبى بكر ، وقال : قال لي ربى عز وجل : لو كنت متخذا بعد أبيك إبراهيم خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا ، ولو كنت متخذاً بعدك حبيبا لاتخذت عمر حبيباً . نقل ذلك من تفسير القرآن العظيم للبغوى رحمه الله تعالى في آخر سورة الحشر في قوله تعالى :