و الثابت المتواتر قطعاً أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - هم على الترتيب[8]: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، ثم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ثم عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. هذا محل إجماع. ثم (على قول البعض) بقية العشرة المبشَّرين بالجَنة[9]، ثم من شَهِدَ معركة بدر، ثم من شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية، ثم من أسلم قبل فتح مكّة من الصحابة، ثم من أسلم بعد فتح مكة من الصحابة. و هذا قطعي بديهي متَّفقٌ عليه عند أهل السنة و الجماعة، فلا حاجة لسرد أدلتهم.
وقد زعم بعض أهل الأهواء أن الصحبة لا تصح إلا للمهاجرين و الأنصار الأوائل، و حينئذٍ لا تثبت عدالة من جاء بعدهم، إلا بما تثبت به عدالة غيرهم من التابعين فمن بعدهم. و هذا غلط شنيعٌ لم يقل به أحد من أهل السنة. و نظيره المذهب المروي عن سعيد بن المسيّب أنه لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة أو سنتين و غزا معه غزوة أو غزوتين، و هذا لا يصح عن سعيد[10]، و اتفق العلماء على خلافه. قال الحافظ العلائي –رحمه الله–: «و الإجماع منعقدٌ في كل عصرٍ على عدم اعتبار هذا الشرط في إسم الصحابي. كيف و المسلمون في سنة تسع و ما بعدها من الصحابة آلاف كثيرة؟ و كذلك من أسلم زمن الفتح من قريش و غيرها و لم يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا زمناً يسيراً، و اتفق العلماء على أنهم من جملة الصحابة؟!»[11]. و هذا ما جاءت به الأدلة القطعية من السنة النبوية.
و هو بكل حال تقسيم باطل لأن معناه أن الحسن و الحسين (اللذان هما ريحانتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدينا) ليسا من الصحابة! و كذلك عبد الله بن الزبير، بل حتى عبد الله بن العباس (الذي دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يعلمه الله تأويل القرآن) ليس من الصحابة[12]، وفقاً لهذا التعريف الأعوج. ذلك بأن أحداً من هؤلاء لم يشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي غزوة. فتبيّن بذلك بطلان من وَهِمَ هذا التعريف للصحابي، و الحمد لله ربّ العالمين.
قال شيخ الإسلام بن تيمية: «و كل من رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به فله من الصحبة بقدر ذلك، كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ»[13]. وذكر الطبقة الثالثة فعلّق الحكم برؤية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما علقه بصحبته»[14]. و يؤيد هذا ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَ صَاحَبَنِي، وَ اَللَّه لا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَ صَاحَبَنِي»[15].
قال الحافظ بن حجر ذاكرا ما يدل على ذلك: «فمن ذلك ما قرأت في كتاب "أخبار الخوارج" تأليف محمد بن قدامة المروزي –ثم ذكر سنده– إلى أن قال: عن نبيج العنزي عن ابي سعيد الخدري، قال: كنا عنده و هو متكئ، فذكرنا علياً و معاوية، فتناول رجلٌ معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً، فذكر قصته حينما كان في رفقة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر و رجل من الأعراب –إلى أن قال أبو سعيد–: ثم رأيت ذلك البدوي أُتي به عمر بن الخطاب و قد هجا الأنصار. فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه[16]». قال الحافظ: «و رجاله ثقات. فقد توقف عمر - رضي الله عنه - عن معاتبته، فضلاً عن معاقبته، لكونه علم أنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم -، و في ذلك أبين شاهد على أنهم كانو يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدلها شيء».
و قد جاء في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»[17]. و قال أيضاً: «لا تسبو أحداً من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل اُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدّ أحدِهم و لا نصِيفَه»[18]. و هذا الحديث عام يشمَلُ كل الصحابة لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، علماً بأنه لم يرد لهذا الحديث سبب نزول صحيح[19]. و قد ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بُعِثْت مِن خَيْر قُرُون بَنِي آدَم»[20]، فدلّ هذا على أن أصحابه هم جيلٌ فريدٌ لم يكن مثله في تاريخ البشرية و لا يكون بعده.