ومنها أن النبي لم يأمر أبا بكر قط أمراً مما يتعلق بالدين فلم يكن حرياً بالإمامة . الجواب أن هذا كذب محض تشهد على ذلك السير والتورايخ فقد ثبت تأميره لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد وتأميره أيضاً في غزوة بني فزارة كما رواه الحاكم عن سلمة ابن الأكوع وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضاً ويعلمهم الأحكام من الحلال والحرام وتأميره أيضاً بالصلاة قبيل الوفاة إلى غير ذلك من مما يطول . ويجاب أيضاً – على تقدير التسليم – بأن عدم ذلك ليس لعدم اللياقة بل لكونه وزيراً ومشيراً على ما هي العادة . روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان أنه قال : سمعت رسول الله يقول : إني أريد أن أرسل الناس إلى الأقطار البعيدة لتعليم الدين والفرائض كما كان عيسى أرسل الحواريين . فقال بعض الحضار : يا رسول الله مثل هؤلاء الناس موجودون فينا كأبي بكر وعمر ، قال : إنه لا غنى لي عنهما ، إنهما من الدين كالسمع والبصر ، وأيضاً قال : أعطاني الله اربعة وزراء وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض ، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل ، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر .
---------------------
( 1 ) انظر العقيدة الخامسة والسادسة من الباب الرابع في النبوة ص 106 – 110 .
وأيضاً لو كان عدم الإرسال موجباً لسلب اللياقة يلزم عدم لياقة الحسين معاذ الله تعالى من ذلك .
ومنها أن أبا بكر ولى عمر أمور المسلمين ، مع أن النبي ولاه على أخذ الصدقات سنة ثم عزله ، فالتولية مخالفة . ويجاب بأن محض الجهالة أن يقال لا نقطاع العمل عزل . وعلى تقدير العزل فأين النهي عن توليته كي تلزم المخالفة بالتولية ؟ فأفهم .
ومنها أن النبي جعله عمر وتابعين لعمر بن العاص وأسامة ايضاً ، ولو كانا لائقين لأمرهما . ويجاب بأن ذلك لا يدل على الأفضلية ونفي اللياقة ، إذ المصلحة ربما أقتصت ذلك ، فإن عمراً كان ذا خديعة في الحرب ودهاء وحيلة عارفاً بمكايد الأعداء ، ولم يكن غيره فيها كذلك ، كما يولى لقمع السارقين وعسس الليل ونحوهما من لا يولى لذلك من الأكابر وأسامة استشهد أبوه على أيدى كفار الشام والروم فكان ذلك تسلية له وتشفية . وأيضاً مقصود النبي من ذلك إطلاع أبي بكر وعمر على حال التابع والمتبوع كما هو شأن تربية الحكيم خادمه ، فلا تغفل .
ومنها ان ابو بكر أستخلف والنبي لم يستخلف ، فقد خالف . ويجاب بأن النبي أشار بالإستخلاف ، والإشارة إذ ذاك كالعبارة . وفي زمن الصديق كثر المسلمون من العرب ، وهم حديثو عهد بالإسلام وأهله فلا معرفة لهم بالرموز والإشارات ، فلابد من التنصيص والعبارات ، حتى لا تقع المنازعات والمشاجرات . وفي كل زمان رجال ، ولكل مقام مقال . وأيضاً عدم أستخلاف النبي إنما كان لعلمه بالوحي بخلافة الصديق كما ثبت في صحيح مسلم ، ولا كذلك الصديق إذ لا يوحى إليه ولم تساعده قرائن فعمل بالأصلح للأمة ، ونعم ما عمل ، فقد فتح الفاروق البلاد ، ورفع قدر ذوى الرشاد ، وإباد الكفار وأعان الأبرار .
ومنها أن أبا بكر كان يقول إن لي شيطاناً يعتريني ، فإن أستقمت فأعينوني ، وغن زغت فقوموني . ومن هذا حاله لا يليق للإمامة . ويجاب بأن هذا غير ثابت عندنا ، فلا إلزام . بل الثابت أنه اوصى عمر قبل الوفاة فقال : (( والله ما نمت فحلمت ، وما شبهت فتوهمت ، وإنى لعلى السبيل ما زغت ، ولم آل جهداً . وإني أوصيك بتقوى الله تعالى )) ألخ . نعم قال في أول خطبة خطبها على ما في مسند الإمام أحمد : يا أصحاب الرسول أنا خليفة الرسول فلا تطلبوا مني الأمرين الخاصين بالنبي : الوحي ، والعصمة من الشيطان . وفي آخرها : إني لست معصوماً فإطاعتي فرض عليكم فيما وافق الرسول وشريعة الله تعالى من أمور الدين ، ولو أمرتكم بخلافها فلا تقبلوه مني ونبهوني عليه . وهذا عين الإنصاف . ولما كان الناس معتادين عند المشكلات الرجوع إلى وحي إلهي وإطاعة النبي كان لازماً على الخليفة التنبيه على الإختصاص بالجناب الكريم . وأيضاً روى في ( الكافى ) للكليني في رواية صحيحة عن جعفر الصادق أن لكل مؤمن شيطاناً يقصد إغواءه ، وفي الحديث المشهور ما يؤيد هذا ايضاً فقد قال (( ما منكم من احد إلا وقد وكل به قرينه من الجن )) فقالت الصحابة : حتى أنت يا رسول الله ؟ قال (( نعم ، ولكن الله غلبني عليه لأسلم وآمن من شره )) فأي طعن فيما ذكروه ؟ والمؤمن يعتريه الشيطان بالوسوسة فينتبه ، قال تعالى إن الذين أتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . نعم إن النقصان في أتباع الشيطان ، وهو بمعزل عنه .