و أما الملائكة : فاختلف في دخولهم في مفهوم الصحبة ، فقد ذهب جماعة منهم إلى أنه كان مبعوثاً لهم ، و مرسلاً إليهم ، و قد لقيه بعضهم و هم مؤمنون به ، فثبتت لهم الصحبة ، و ممن جرى على هذا القول : الإمام السيوطي في كتابه الحبائك في معرفة أخبار الملائك (ص211) . و رجحه القاضي شرف الدين البارزي و تقي الدين السبكي و الإمام الحافظ ابن كثير ، و أثبت بعض الأصوليين فيه الإجماع كما في المواهب اللدنية (7/28) .
و يخرج من الصحبة بقولنا من لقي :- من آمن به و لم يره كأصحمة النجاشي و زيد بن وهب و أبي مسلم الخولاني و غيرهم . أنظر : محاضرات في علوم الحديث (ص37-40) .
و إنما آثرنا التعبير بقولنا من لقي النبي صلى الله عليه وسلم على قولنا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، ليدخل في الصحابة مثل عبد الله بن أم مكتوم ، فهو ممن ثبت لقاؤه بالنبي صلى الله عليه وسلم و إن لم يره ، لأنه كان ضريراً .
و قولنا يقظة : فصل خرج به من لقي النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ، فإنه ليس بصحابي ، كما جزم به البلقيني في محاسن الاصطلاح (ص423) ، و الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/ 7 ) ، و السخاوي في فتح المغيث (4/81) .
و قولنا مؤمناً به : فصل يخرج به من لقيه كافراً به ، فإنه لا يعد من الصحابة سواء أكان من المشركين أم من المجوس أم من أهل الكتاب - اليهود و النصارى - و سواء بقي على كفره مثل أبي جهل و أبي لهب و غيرهما من الكفرة والمشركين ، أم آمن بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كرسول قيصر . أنظر : فتح المغيث (4/ 82 ) .
كما يدخل بهذا الفصل من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ، وعاد إلى إيمانه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم و لقيه مرة أخرى . و هذا يدخل في مفهوم الصحبة باللقاء الثاني بلا خلاف بين العلماء ، و ذلك مثل : عبد الله بن سعد بن أبي السرح أنظر : الإصابة (4/109-111 ) .
و يدخل فيه أيضاً : من لقيه مؤمناً به ثم ارتد ، و عاد إلى إيمانه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، و لم يلقه مرة أخرى ، أو عاد بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، كما قال ذلك ابن حجر في نزهة النظر (ص109 ) ، مثل :- قرّة بن هبيرة - أنظر : الإصابة (5/437-440) - ، والأشعث بن قيس - أنظر : الإصابة (1/87 –90 ) - ، و عطارد بن حاجب التميمي - أنظر : الإصابة (4/507-509)
كما يدخل فيه أيضاً : من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد واستمر على ردته حتى الموت ، مثل : عبيد الله بن جحش ، الذي هاجر إلى الحبشة و هناك تنصر و مات على نصرانيته ، و ربيعة بن أمية الجمحي ، فإنه ارتد في خلافة عمر حيث فرّ إلى بلاد الروم ، فلحق بهم و تنصر ، و ابن خطل الذي ارتد و قتل على ردته يوم فتح مكة . أنظر : الإصابة (1/7 ) ، و محاضرات في علوم الحديث (ص39 ) ، غير أن هذا سيخرج فيما بعد من مفهوم الصحابة بالقيد الأخير .
و قولنا بعد بعثته : فصل آخر خرج به من لقيه مؤمناً به قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ، مثل : زيد بن عمرو بن نفيل ، و جرجيس بن عبد القيس المعروف ببحيرا الراهب ، فقد عرفه و هو ذاهب إلى الشام و آمن به قبل بعثته . أنظر : الزرقاني على المواهب (7/27) و محاضرات في علوم الحديث (ص39 ) ؛ فإن هؤلاء لا يدخلون في مفهوم الصحابة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن مبعوثاً حين أمنوا به و صدقوه .
و على هذا : فما مثّل به البعض هنا بورقة بن نوفل غير صحيح ، لأنه قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، و آمن به بعد أن بعث صلى الله عليه وسلم ، و جاءه الوحي ، و لهذا فقد جزم ابن الصلاح بثبوت صحبته . أنظر : الزرقاني على المواهب (7/27) .
و قولنا حال حياته : فصل آخر خرج به من لقيه يقظة مؤمناً به بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، أنظر : فتح الباري (7/7 ) و الإصابة (1/7-8 ) و فتح المغيث (4/80 ) ، مثل : أبي ذؤيب الهذلي الشاعر - أنظر : الإصابة (2/364 ) - ، فقد رآه و هو مسجى ، قبل أن يدفن صلى الله عليه وسلم .
و قولنا : و مات على الإيمان : هو فصل آخر خرج به من لقيه مؤمناً به ، ثم ارتد و استمر على ردته ، حتى الموت ، و قد تقدمت أمثلته . هذا بالنسبة لتعريف الصحابي عند جمهور المحدثين ، وفي الحلقة القادمة يسكون الحديث عن تعريف الصحابي عند جمهور الفقهاء والأصوليين ، و ترجيح التعريف الصحيح في ذلك .
ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين في تعريف الصحابي إلى أنه :-
من لقي النبي صلى الله عليه وسلم يقظة مؤمناً به ، بعد بعثته ، حال حياته ، و طالت صحبته و كثر لقائه به ، على سبيل التبع له ، والأخذ عنه ، وإن لم يرو عنه شيئاً ، و مات على الإيمان .
شرح التعريف :
قولهم : من لقي النبي .. الخ : تقدم شرح ذلك و بيان ما فيه ، في تعريف الصحابي عند جمهور المحدثين .
و قولهم : طالت صحبته :- أي أن يكون الصحابي قد جالس النبي صلى الله عليه وسلم و لقيه كثيراً .