الوجه الأول : حديث (( للعامل فيهن أجر خمسين )) لا يدل على الأفضلية ، لأن مجرد زيادة الأجر على بعض الاعمال لا يستلزم ثبوت الأفضلية مطلقا .
الوجه الثاني : أن المفضول قد توجد فيه مزايا وفضائل ليست عند الفاضل ، ولكن من حيث مجموع الخصال لا يساوي الفاضل .
الوجه الثالث : يقال كذلك : إن الأفضلية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه ، وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض الصحابة في ذلك ، اما ما اختص به الصحابة رضوان الله عليهم وفازوا به ، من مشاهدة طلعته صلى الله عليه وسلم ورؤية ذاته المشرفة المكرمة ، فامر من وراء العقل ، غذ لا يسع احد أن ياتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلا عن أن يمائله . ( الصواعق المحرقة للهيثمي ) .
الوجه الرابع : إن الرواة لم يتفقوا على لفظ حديث ابي جمعة ، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم ، ورواه بعضهم بلفظ (( قلنا يا رسول الله هل من قوم اعظم منا أجرا ؟ )) اخرجه الطبراني .
قال الحافظ في الفتح : (( وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة )) ، وهي توافق حديث ابي ثعلبة ، وقد تقدم الجواب عنه والله أعلم .
وأخيرا : ينبغي التنبيه في ىخر هذه الفقرة إلى أن الخلاف بين الجمهور وغيرهم في ذلك لا يشمل كبار الصحابة من الخلفاء ، وبقية العشرة ، ومن ورد فيهم فضل مخصوص ، كاهل العقبة وبدر وتبوك . . ألخ .
وإنما يحصل النزاع فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة . ولذلك استثنى الإمام ابن عبد البر أهل بدر والحديبية .( فتح الباري 7 / 7 ).
سب الصحابة وحكمه
ينقسم سب الصحابة ألى انواع ، ولكل نوع من السب حكم خاص به .
والسبب : هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف ، وهو ما يفهم من السب بعقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم ، كاللعن والتقبيح ونحوهما . ( الصارم المسلول 561) .
وسب الصحابة رضوان الله عليهم دركات بعضها شر من بعض ، فمن سب بالكفر أو الفسق ، ومن سب بامور دنيوية كالبخل ، وضعف الرأي .
وهذا السب أما أن يكون لجميعهم أو أكثرهم ، أو يكون لبعضهم أو لفرد منهم ، وهذا الفرد إما ان يكون ممن تواترت النصوص بفضله أو دون ذلك .
وإليك تفاصيل وبيان أحكام كل قسم :
من سب الصحابة بالكفر والردة أو الفسق ، جميعهم أو بعضهم
فلا شك في كفر من قال بذلك لأمور من أهمها :
إن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ، وبذلك يقع الشك في القرآن والأحاديث ، لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول .
إن في هذا تكذيبا لما نص عليه القرآن من الرضا عنهم والثناء عليهم ( فالعلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي ) . ( الرد على الرافضة ص19 ) . ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر .
إن في ذلك إيذاء له صلى الله عليه وسلم ، لأنهم أصحابه وخاصته ، فسب المرء خاصته والطعن فيهم ، يؤذيه ولا شك . وأذى الرسول صلى الله عليه وسلم كفر كما هو مقرر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا حكم هذا القسم : (( وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا ، أو أنهم فسقوا عامتهم ، فهذا لا ريب أيضا في كفره ، لأنه مكذب لما نص القرآن في غير موضع ، من الرضا عنهم والثناء عليهم ، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين . . - إلى ان قال - وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام )) . ( الصارم المسلول 586- 587 ) .
وقال الهيثمي رحمه الله : (( ثم الكلام - أي الخلاف - إنما هو في سب بعضهم ، أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر )) . ( الصواعق المحرقة 379 ) .
ومع وضوح الأدلة الكلية السابقة ، ذكر بعضالعلماء أدلة اخرى تفصيلية ، منها :
أولا : ما مر معنا من تفسير العلماء للآية الأخيرة من سورة الفتح ، من قوله ﴿ محمد رسول الله والذين معه ﴾ إلى قوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية كفر من يبغضون الصحابة ، لان الصحابة يغيظونهم ، ومن غاظه الصحابة فهو كافر ، ووافقه الشافعي وغيره . ( الصواعق المحرقة ص317 ، وتفسير ابن كثير 4 / 204 ) .
ثانيا : ما سبق ذكره من حديث أنس عند الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الانصار )) ، وفي رواية : (( لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق )) .
ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : )) لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر )) ، فمن سبهم فقد زاد على بغضهم ، فيجب أن يكون منافقا لا يؤمن بالله ولا اليوم الآخر . ( الصارم المسلولص581 ) .