تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: أن منع المؤلفة قلوبهم من عطاياهم، في حال عز الإسلام وعدم الحاجة إليهم لا يقتضي سقوط سهمهم بالكلية عند المانع لهم في تلك الحال، وبالتالي فنسبة القول بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم بالكلية لعمر ولغيره من الصحابة بمنعهم أهل التأليف عطاياهم في ذلك العهد، تبقى محل نظر، حتى يرد النص الصحيح منهم بالتصريح بالحكم المذكور. وهذا مما تندفع به مطاعن الرافضي على عمر، في دعواه أنه عطل سهم المؤلفة قلوبهم، مع ثبوته في كتابه الله تعالى.

الوجه السادس: أن ما يثبت عن عمر - رضي الله عنه - من القول بالرأي، ثبت عن علي مثله، أو أكثر منه في مسائل هي أعظم من المسائل التي تكلم فيها عمر، فالقدح في عمر بهذا، قدح في علي من باب أولى.

يقول شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله- في رده على الرافضي في طعنه على عمر بالقول بالرأي: «والجواب أن القول بالرأي، لم يختص به عمر - رضي الله عنه - بل علي كان من أقولهم بالرأي، وكذلك أبوبكر، وعثمان، وزيد، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة -y- كانوا يقولون بالرأي، وكان رأي علي في دماء أهل القبلة ونحوه من الأمور العظائم.

كما في سنن أبي داود وغيره عن الحسن عن قيس بن عباد قال:

قلت لعلي: (أخبرنا عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأي رأيته؟ قال: ما عهد النبي صلى الله عليه وسلم إليّ شيئاً ولكنه رأي رأيته)(1)

وهذا أمر ثابت، ولهذا لم يرو علي - رضي الله عنه - في قتال الجمل وصفين شيئاً، كما رواه في قتال الخوارج، بل روى الأحاديث الصحيحة هو وغيره من الصحابة في قتال الخوارج المارقين، وأما قتال الجمل وصفين فلم يرو أحد منهم فيه نصاً، إلا القاعدون فإنهم رووا الأحاديث في ترك القتال في الفتنة.

ومعلوم أن الرأي إن لم يكن مذموماً، فلا لوم على من قال به، وإن كان مذموماً فلا رأي أعظم ذماً من رأي أريق به دم ألوف مؤلفة من المسلمين، ولم يحصل بقتلهم مصحلة للمسلمين، لا في دينهم، ولا في دنياهم، بل نقص الخير عما كان، وزاد الشر على ما كان.

فإذا كان مثل هذا الرأي لا يعاب به، فرأي عمر وغيره في مسائل الفرائض والطلاق أولى أن لا يعاب، مع أن علياً شركهم في هذا الرأي وامتاز برأيه في الدماء...

وقد جمع الشافعي ومحمد بن نصر المروزي المسائل التي تركت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابو داود في: (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة) 5/50.

من قول علي وابن مسعود فبلغت شيئاً كثيراً، وكثير منها قد جاءت السنة بخلافه كالمتوفى عنها الحامل، فإن مذهب علي - رضي الله عنه - أنها تعتد أبعد الأجلين، وبذلك أفتى أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاءته سبيعة الأسلمية وذكرت ذلك له قال: (كذب أبوالسنابل بل حللت فانكحي من شئت)(1) وكا زوجها قد توفي عنها بمكة في حجة الوادع.

فإن كان القول بالرأي ذنباً فذنب غير عمر -كعلي وغيره- أعظم، فإن ذنب من استحل دماء المسلمين برأي، هو ذنب أعظم من ذنب من حكم في قضية جزئية برأيه، وإن كان منه ما هو صواب، ومنه ما هو خطأ فعمر - رضي الله عنه - أسعد بالصواب من غيره، فإن الصواب في رأيه أكثر منه في رأي غيره، والخطأ في رأي غيره أكثر منه في رأيه، وإن كان الرأي كله صواباً فالصواب الذي مصلحته أعظم، هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته دون ذلك، وآراء عمر - رضي الله عنه - كانت مصالحها أعظم للمسلمين.

فعلى كل تقدير: عمر فوق القائلين بالرأي من الصحابة فيما يحمد، وهو أخف منهم فيما يذم، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري بغير هذا اللفظ في: (كتاب المغازي، باب 10)، فتح الباري 7/310، ح3991، ومسلم: (كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل) 2/1122، ح1484.

النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدَّثُون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر)(1)».(2)

فثبت بهذه الأوجه بطلان دعوى الرافضي، وبراءة الفاروق - رضي الله عنه -مما رماه به.

(1) تقدم تخريجه ص 562.

(2) منهاج السنة 6/111-114.

=================

دعوى الرافضي أن الصحابة ردوا نص:(الغدير) وأبعدوا علياً عن الخلافة والرد عليه في ذلك

قال الرافضي ص198 «من فكرة الاجتهاد واستعمال الرأي مقابل النصوص نشأت و تكونت مجموعة من الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، وقد رأيناهم يوم الرزية كيف ساندوا وعضدوا رأي عمر مقابل النص الصريح.

ومن ذلك أيضاً نستنتج أن هؤلاء لم يقبلوا يوماً نصوص الغدير، التي نصب بها النبي صلى الله عليه وسلم علياً خليفة له على المسلمين...

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدين · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شبهات الرافضة حول الصحابة والخلفاء الراشدينص ١٥٥