4- رأى النصارى أيضاً أن ثمة تناقضاً في مفهوم القضاء و القدر في القرآن الكريم فقد جاءت آيات تتحدث عن مسئولية الإنسان عن عمله ، و يرونه مناقضاً للنصوص التي تقرر هيمنة الله على هذا الكون ﴿ فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء ﴾ و قوله تعالى ﴿ و لقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الإنس ﴾ فأبان الجزيري عن معتقد المسلمين في القدر ، و يتلخص في أن الإنسان لا يؤاخذ و لا يعاقب إلا بكسبه ، و لكن أعمال الإنسان الخيرة و الشريرة مخلوقة لله يفعلها الإنسان باختياره ، و لولا خلق الله لها لما استطعنا فعلها.
و يرى الجزيري أن قوله ﴿ فيضل من يشاء ﴾ لا علاقة له بأفعال العباد ، بل هو في باب الإخبار في أن الله قادر على أن يضل أو يهدي من يشاء بإرسال الرسل أو ترك البشرية على ضلالتها ، لكنه برحمته أرسل الرسل.
و نقل قولاً آخر يفسر الآية و هو أن الله يخلق الهداية للعبد الذي أرادها و سعى إليها ،كما يخلق الضلال لمن أراد العماية و الغواية.
و أما ما جاء عن ختم الله على قلوب العصاة و الكفرة ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم و على سمعهم ﴾ فليس معناه أنهم ولدوا كذلك و قد ختم الله على قلوبهم، بل هذا حصل لهم بمقتضى أعمالهم
و يقرر الجزيري أن مثل هذا اللبس يمكن أن يطرح على النصارى ، فبينما جاءت نصوص تقرر مسئولية الإنسان عن عمله كما في (متى 12/ 336-37، 16/ 25) ، و غيرها جاء ما يفيد بأن الله يضل من يشاء، ففي سفر حزقيال " النبي إذا ضل و تكلم بكلام ، فأنا الرب أضللت ذلك النبي " (حزقيال 14/9) ، و قد أضل الله فرعون فقال: " إني أقسي قلب فرعون " (الخروج 7/3) ، و يقول بولس عن الله " هو يرحم من يشاء و يقسي من يشاء ..." (رومية 9/18-22).