فالحروب والإغارات والأخذ بالثأر جميعا تجيء كنتيجة - وليست كمقدمة - للصراع الاجتماعي ولصراع الطعام، وهو الماء والكلأ عصب حياة البوادي العربية والدافع الأول لحركتها وتطاحنها القتالي، وحروبها وهجراتها بحثا عن الزرع والضرع، ومن هنا تجيء هذه التغريبة اليمنية الحميرية القحطانية إلى الشام وما بين النهرين والحجاز وفلسطين.
وكذا تغريبة الملك سيف من نفس الموطن - الجنوب العربي - إلى إفريقيا الوسطى - أثيوبيا - والسودان ومصر، بحثا عن كتاب النيل ومنابع الماء والكلأ.
يضاف إليهما تغريبة التحالف القبلي القمري الهلالي لعرب الجزيرة الهلالية وحروبهم وهجراتهم إلى دلتا النيل وتونس الخضراء، حين حدث جوع في الأرض؛ أرض نجد والحجاز.
بالإضافة إلى بقية الهجرات العبرية الثلاث إلى مصر حين حدث ذات الجوع في الأرض، وهي هجرة قبيلة إبراهيم ويوسف ويعقوب.
فالملك التبع حسان اليماني يجيء إلى الشام والحجاز وفلسطين - بلاد العسل واللبن - أملا في التسيد، وما إن يتحول إلى طاغية مغتصب لكلا الأرض والزوجة حتى يقتل بالحيلة والغفلة، ويعلق كليب رأسه على بوابات العاصمة دمشق.
ثم يجيء الدور ذاته على كليب، فما إن يتحول بدوره إلى طاغية، يتخذ له حيا في أرض تدعى العالية، لا يطؤه أحد إلا بإذنه، ولا يورد أحد إبله مع إبله، ولا يوقد نارا مع ناره، وهكذا إلى أن استفحل خطره بشكل لا يطاق، فكان أن حق اغتياله كطاغية قبائلي طبقي.
بل إن الأسطورة الطوطمية المصاحبة له - والمفسر لتسميته «كليب» - تكشف وتوضح أبعاد القوة الباطنة الدافعة للصراع الطبقي وتلك الحروب القبائلية التي يقال: إنها امتدت أربعين عاما، مما دفع تلك الكاهنة البسوس إلى استيعابها واستخدامها في تحريضها الاجتماعي الطبقي ضد الملك الطاغية كليب بن ربيعة: «هذا الباغي الذي حمى - حرم - عليكم الماء والكلأ.»
فتنسب المصادر الكلاسيكية العربية مرجعة تسمية كليب إلى أنه اتخذ جرو كليب كشعار أو طوطم، فلا ينزل مكانا به كلأ أو ماء إلا ذا ما أطلق جروه فيعوي فيه، فلا يرعى أو يستقي أحد، فضرب به المثل «أعز من كليب وائل»؛ أي أن لا أحد أعز من جرو بني وائل.
ومعروف أن أول أفكار عربية مصاحبة لمفهوم الوطن والوطنية عند العرب من بائدة وجاهليين؛ هو ذلك الحما الذي ما يزال محفوظا متواترا داخل اللغة الفصحى، بما يوصلنا إلى الحماية والحمية والحما مرادف الوطن.
وكان ذلك الحما يحدده للقبيلة أو العشيرة نباح الكلب، ومن مجموع العشائر المتحالفة رفعت تلك الشعيرة الطوطمية لتصبح شعارا عاما لمجموع القبائل خلال تجوالها وهجرتها بحثا عن الماء والكلأ، وما يفرضه من حما وأمن، وهم ما عرفوا بالكلبيين.
ومن هنا يجيء دور البنية القبائلية القرابية وما يستتبعه بالنسبة لسلاسل أو سلسال النسب والأنساب، الذي هو أشق أبنية هذه السيرة الأنموذجية لسيرة أو ملحمة الأنساب التي هي - بدورها - عصب وجوهر السير الشعبية الملحمية بعامة.
1
فالأصل في مثل هذه السير هو أن تجيء - بادئ ذي بدء - سيرة عائلة. إنها بمثابة التراجم التاريخية للأشخاص من ملوك تباعنة وأمراء وشيوخ قبائل، مع إضفاء الاهتمام الأقصى برواية أنساب عائلة حميرية أو قيسية حروبها وانتساباتها وهجراتها ومنازعات بلاطها وأنماط زواجها وميراثها وتوارثها.
ذلك دون عزلة عن مضمون الصراع المستهدف للسلطة والتسلط، والمرتبط بمصالحه فيما يحيطه، وعبر كفاحه الشاق في سبيل البقاء، ولو كان ذلك البقاء الذي يسوده الطوطم كمنتج روحي أو دين بدائي.
فحتى الطوطمية الموغلة في الكلاب والحمير واليمام والنوق وأم قويقات جميعها لها دورها الاجتماعي والطبقي؛ مثل منبت الصراع الذي أفضى إلى مصرع ناقة البسوس الذي يحفظ الأدب العربي برمته اسمها سراب أو الناقة سراب، والتي اقتحمت حما كليب أو الملك كليب أبا اليمامة، وكسرت بيض حمامة كان قد أجارها، وكان أن رمى الناقة سراب بسهم شخب لها ضرعها بالدم واللبن، فنشبت الحرب بين بكر وتغلب طوال تلك السنوات العديدة أربعين عاما، حتى أفنى البطنان بعضهما بعضا.