والربط بين الجن والحيوانات والهوام والأشجار يشير مباشرة إلى انحدارها من الطوطمية، وهو ما كنته القبائل السامية - خاصة أصحاب الوبر - من عرب وعبريين، فكانوا يتسمون باسم الحيوان، ويحرمون التلفظ باسمه، ومن هنا جاءت المرادفات المتعددة للحيوان الواحد، وذكر المستشرق هيود أن «لدى العرب خمسين كلمة للدلالة على الأسد، ومائتين للثعبان، وثماني للعسل، وأكثر من ألف للسيف.»
ذلك أن للعرب الساميين باع ملحوظ في أنهم موطن ومصدر هذه الحكايات الطوطمية قبل الهنود الآريين والإغريق الهلينيين والرومان.
فالرقيق الإغريقي - الذي يعد أهم وأقدم مصدر لهذه الحكايات الحيوانية - «أيسوب» يرى البعض - ومنهم كراب - أنه كان رقيقا ساميا يشتغل بالكتابة، وجمع هذه المأثورات في أيونيا، ومن هنا وصلت هذه الحكايات من الشرق السامي إلى الغرب، وأنها ارتحلت أيضا من الشرق السامي إلى الهند مع ما ارتحل إليها من ثقافة العراق وما بين النهرين.
وتحفل قصص الخلق الأولى والطوفان البابلي والعبري بمثل هذه الحكايات، كذلك حكاية أشجار
6 «يوثام» التي أولاها فريزر اهتماما خاصا.
كما تحفل الآداب الجاهلية والإسلامية بالآلاف المؤلفة من هذه الحكايات عند الجاحظ والدميري وغيرهما.
ثم لماذا نذهب بعيدا والمصدر الأكثر قدما من أيسوب ذاته وهو - الشخصية الخرافية العربية السامية - الحكيم لقمان الذي أوضحت المكتشفات الحفائرية الأركولوجية أصله البابلي، وعلى هذا فهو أسبق خمسة عشر قرنا من أيسوب الذي يرى البعض خطأ أنه هو بذاته النبي أيوب نبي الأدوميين السوريين والأردنيين. •••
أخيرا يمكن القول: أنه برغم أن مختلف المجتمعات قد عاشت وواصلت استمرارها ونموها في ظل مختلف البيئات التاريخية، ومرت بمختلف التحولات إلا أنها لم تتخل كلية عن خصائصها الأولى - ولنقل: طواطمها وتابواتها - التي تعرضنا لها بالدراسة، وكما أجمع علماء العصر الفيكتوري - منذ ماكلينان وروبرت سميث وفريزر - أنها - أي الطواطمية - ما تزال تحيا وترتع كرموز بدائية تحت مختلف الأشكال المتكاثرة لحياتنا الحديثة، فأنت تجدها في إعلان وشارات الدول الحديثة يستشهد في سبيلها، كما تجدها تطل برأسها في شارات المحافظات والمطبوعات والأضرحة والملابس والماركات والمطبخ الحديث ... إلخ.
فالمناهج البنائية قد حققت بدراستها الطوطمية نتائج رياضية ملفتة، وبالتحديد ما توصل إليه العالم البنائي الفرنسي كلود ليفي شتراوس، الذي انصبت دراسته على علاقة الطوطمية بالظواهر أو علم الظواهر، ففي رأيه أن الطوطمية - كظاهرة حضارية - تجيء كاستجابة أو حتمية لظروف ومكونات طبيعية وبيئية، وأن هناك علاقة شعائرية أو دينية بين الإنسان وطوطمه، وكثيرا ما تتمثل في الأشياء والمناهج المقدسة، ولها سلطاتها الملزمة، وأن نظم الزواج في المجتمع الطوطمي لا تخضع لإرادة الأفراد بقدر خضوعها للقرابة الطوطمية، كما اتضح في سيرتنا هذه - الزير سالم - وانتساباتها وولاءاتها القبلية، بل وحروبها الضارية.
فحتى وقت قريب عام 1920م رصد فان جنيب 41 نمطا مختلفا للطوطمية في أستراليا وحدها، وأثبت أن الكثير منها ما يزال ساريا، برغم أن جذورها الضاربة ترجع إلى الألف الثامن قبل الميلاد. فالطواطم ما هي إلا أرواح تحيا في الخفاء محافظة على توارث أسماء القبائل الأمومية والأبوية، كما أثبت «جنيب» أن الطوطمية ما تزال تتحكم متسلطة على نظم الزواج والطلاق والميراث والقرابة عند عديد من شعوب العالم خارج الغرب.
وفي طرح التساؤل عن علاقة الطوطمية بالحيوانية والنباتية، يشير شتراوس بأن الحيوان والنبات يمدان الإنسان بطعامه، والاحتياج للطعام يستلزم المكان أو الوطن في المفهوم البدائي.
فشتراوس يسألنا منذ راد كليف براون، ويقدم تفسيراته المخالفة لتثقيفية فريرز وأنيمزم تيلور، والبحث عن الأصول عند ماكلينان وروبرت سميث، وأخيرا توظيفية مالينوفسكي، فجميع هؤلاء قدموا تفسيراتهم عن البدائيين، لكن شتراوس ربط الطوطمية بالتخلف حتى داخل مجتمعات ما فوق التصنيع.