10
فلعل ما يعوزني رصده وتسجيله هو في المقام الأول توصلي المضني إلى التعارض الكبير بين النصوص الفولكلورية للزير سالم، ونظيرتها من مأثورات الأدب العرب على طول تاريخه المغلوط، بما يشير إلى أننا بإزاء اكتشاف أكثر من سيرة أو ملحمة للزير سالم أبو ليلى المهلهل؛ إحداها عربية أدبية كلاسيكية، والثانية شعبية فولكلورية.
ومما يعمق هذا الانقسام والتعارض بالنسبة لشخصية المهلهل أو الزير سالم خاصة والمتبدي واضحا في النصوص الأم
Version
العربي الفصيح والعامي الفولكلوري، هو أولا وقبل كل شيء يجيء من اختلاف موطن وجغرافية هذه السيرة الملحمية الزير سالم - أي مجرى الأحداث ومسرحها - حيث تجري في النصوص العربية الكلاسيكية في مكة وما حولها، وبشكل محدود متقوقع بدوي قبائلي هزيل.
بينما تتخذ النصوص الفولكلورية من بئر سبع بفلسطين موطنا ومنفى للزير سالم، يتسع ليشمل سهول سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومكة، أما مركز أحداث هذه السيرة وعاصمتها فهي دمشق؛ حيث تجري حروب قبائلية قارية لمئات الألوف من المتقاتلين، وحصار بحري قوامه ألف سفينة، يتقدمها تبع أو إمبراطور يمني غازي.
ومن هنا يمكن طرح التساؤلات على النحو التالي: هل نحن بإزاء سيرة واحدة، أم سيرتين إحداهما للمهلهل - نرجح أنها الفصحى - تجري أحداثها بين عرب الشمال الجاهليين، والثانية فولكلورية للبطل البئر سبعي الفلسطيني المنتقم لمصرع أخيه الملك كليب، تجري أحداثها ما بين الشام ولبنان وفلسطين؟ ولا بأس من أن تمتد الأحداث الرافدية الجانبية لتشمل مكة وما حولها.
وإذا ما عرفنا أن «المبكى» أو ضريح الملك المغتال كليب، يشير مباشرة إلى أنه سلف أو إشارة سلفية للقبائل «الكلبية»
11
التي عرفت منذ ما قبل الألف الثانية قبل الميلاد
12
بشعوب البحر أو الشعوب البحرية الذين تعرف عليهم الأنثروبولوجيون، حين وصلت هجراتهم وغزواتهم إلى إنجلترا وأيرلندا ومعظم دول الشمال الأوروبي منذ مطلع الألف الثانية قبل الميلاد 4 آلاف عام، وهم ما لقبهم اليونان - فيما بعد - بالفينيقيين أقدم شعوب العالم القديم البحرية اقتحاما للبحار والمحيطات، من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين، والأخيرون كما يقول جريفز
13 - وهم الفلسطينيون - هم بذاتهم الذين أسروا القبائل الإسرائيلية في عبرون
14
وجودا أو اليهودية بالضفة الغربية، وكانوا يضمون داخل تحالفهم القبلي عشائر أدومية
15
من أردنيين وسوريين، المعروفين بالكلبيين.
وظل الإسرائيليون في أسرهم لمدة مائتي عام، وهو ما يعرفه التراث العربي بالأسر الفلسطيني الأول، إلى أن تحرر الإسرائيليون بعد أن اكتسبوا الجانب الأعظم من الدين والتراث الفلسطيني، ومنه بالقطع هذه السيرة الملحمية التي تشير بعض حلقاتها إلى فابيولات شمشون ودليلة، والكثير من الفابيولات والمأثورات العبرية المغتصبة مثلها مثل الوطن، الأموية الكلبية.
16
ويلاحظ أن هذه القبائل العربية المتحالفة - منذ 4 آلاف عام - تحت اسم أو شعار طوطمي «كالب»
Caleb ، ظلوا يحتفظون بتسميتهم هذه الكلبية حتى أواخر الدولة الأموية التي كانت تسمى بالدولة الأموية الكلبية.
أخيرا ... فلعلنا بإزاء ملحمة فلسطينية موغلة في القدم، بطلها الزير سالم أو سلم، الذي يشير إلى تسمية القدس أو أورشاليم سالم أو مدينة سالم، كما أنه نبت وتربى في وادي بئر سبع - أو بئر سبع - قبل تواجدها التاريخي الفلسطيني الحالية، واتخذها - كما ستخبرنا السيرة - موطنا ومنفى.
ولعلها دراسة يجيء توقيتها من مواجهة الادعاءات الصهيونية الملفقة حول التهويد، وتغيير المعالم الفلسطينية العربية داخل الأرض المحتلة، تضفيها وتضيفها هذه السيرة الفلسطينية شديدة القدم والعراقة، والتي لم تسلم أيضا من عبث وتلفيق النساخ اليهود من القرون الوسطى بها، كما سنتناوله بتفصيل من هذه المحاولة الدراسية.