تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمسح جبينك يا ولدي في كل صبحية.

حتى إذا ما شاهدها الملك في أحزانها تلك جاشت من جديد أحزانه ورغبته في الثأر والانتقام مطيلا أمد الحرب، محاصرا المدن الفارسية، لكن دون طائل.

وكان من عادات حرب الملك سيف، حينما يقرر لجيوشه اجتياح مدينة أو حصن أن يبعث كتيبة من جنده لتحرير ما تكتظ به سجونها ومنافيها من أسرى ومسلحين وقطاع طرق وخارجين على القانون.

فكان الملك يجمعهم ويخطب فيهم ويعيد تأهيلهم وتدريبهم على طرق وأساليب الحرب والقتال التي اشتهرت عنه، ثم يغدق عليهم العطاء ويلحقهم بجنده ... قائلا: أخلص أبنائي ... الأشقياء، أما شامة فكانت بدورها تروح تتفرس وجوه أولئك الأسرى - والأشقياء - فلعلها تستطلع وجه ولدها - البكري - «دمر» بينهم، دون طائل. - ولدي ... وحيدي ... أين؟!

إلى أن استسلمت في النهاية لعميق أحزانها فحلت عليها السقوم وضعف بصرها، ورغم ذلك ظلت تقاوم رغبة الملك سيف في ترحيلها عن مصر إلى بلادها ولو للراحة والعلاج.

ذلك أنها أصبحت أيضا تكره الحرب وتوالي أنباء المعارك وسيول الدم النازف الذي تربت وشبت عليه. - دم ... دم ... ولا مهرب من أكوام الجثث العفنة والمدن المشتعلة بالنيران والخراب، «لا مهرب أو مغيث في هذا العالم الوحشي المظلم.»

حتى إذا ما حاول الملك التحايل عليها بإبعادها عن ساحات المعارك، رفضت باكية معاودة ندبها ونحيبها وبكائياتها الذاتية: وولدي ... أأترك ولدي؟ ... حدقة عيني!

متشبثة باكية بأطراف أردية الملك سيف ذاته الذي يروح من فوره يحنو عليها محتضنها، محاولا تبصيرها بقوانين تلك الغابة التي لا مكان فيها لكائن وادع أو مستسلم، فما أصدق التباعنة القائلين: أيها الرجال إنكم إن لم تحاربوا الناس حاربوكم ... وإن تسبوهم سبوكم.

كان يضغط على رأسها بين ساعديه معيدا إليها السكينة، مسرا بصوته الهادئ: ولعلك يا شامة، شهدت بنفسك أحداث حربين عدوانيتين على بلادنا؛ من جانب الأحباش مرة، ومن جانب أولئك الفرس الطغاة الطامعين ثانية.

وكثيرا ما يصل الإجهاد بالملك سيف ذاته إلى حد تأمل كفي يديه في تساؤل كظيم: ماذا أفعل؟ دلوني!

عندئذ تتعرف شامة على ما يعتمل في أعماق الملك الذي كتب عليه القتال والمطاردة منذ صباه، بل طفولته اليتيمة في بلادها.

فتبادره مواصلة تصميمها: أبدا لن أتخلى عنك هنا.

إلا أن المهام الجسيمة التي تطلبتها الحرب داخل بلاد الفرس، وفيما وراء نهر بلخ، دفعت بالملك سيف إلى التخلي عن شامة موكلا حراستها والسهر على راحتها لأقرب مستشاريه وحراسه.

وكانت كلما تشعبت معارك وحروب الملك التبع سيف بن ذي يزن ، تدهورت أكثر فأكثر حالة شامة الصحية والعقلية معا، مما كان يضاعف من أحزان الملك ومخاوفه عليها، وهو بعيد عنها منشغل بكامله في حروبه في بلاد الفرس التي كثيرا ما تبدت له عاتية لا أول لها ولا نهاية. - كمثل قدر أسود.

لذا رأى الملك أنه من الأسلم ترحيل شامة والعودة بها إلى ديار مصر، ما دام أن الفرقة بينه وبينها أصبحت واقعا ماثلا لا مهرب منه، إلى حد استحالة التخلي عن مهامه والعودة إلى زيارتها، ولو سرا وبشكل سريع خاطف.

حتى إذا ما شارفت جيوشه ذات مساء حدود أصفهان قرر تجميد حصاره والتسلل سرا إلى حيث توجد شامة - بالمدائن - فزارها ليلا، وهي في فراشها مريضة تلهج باسم ابنها ومصيره الغامض. - دمر ... ولدي ... قتلوه ... أعلم لا تخفوا عني شيئا ... ولدي!

وهكذا لم يجد الملك سيف مفرا من ضرورة ترحيلها والعودة بها إلى مصر للراحة والعلاج.

فرتب بنفسه رحلة عودتها - البحرية - إلى مصر مشددا على أقصى درجات الأمن المرافق لها؛ تخوفا من اختطافها وهي على تلك الحال من الإعياء والهذيان والمرض، حتى إذا ما تحرك ركبها ودعها الملك سيف متذكرا ما سبق أن أسدته تلك السيدة من بطولات أصبحت في عداد الخوارق، حفاظا عليه من كل كبوة وواقعة، مغامرة ومضحية بأبيها ومملكتها وكل طاقتها من أجله، زافرا وهو يودعها في أسى: حقا فمثلك نادر بين النساء يا شامة، تصحبك السلامة يا حبيبة القلب مدى الحياة.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٩٠