هنا زفرت شامة من أعماقها لسيف اليزن، وهما يتأهبان بدورهما إلى المسير والعودة إلى أفريقيا؛ قائلة في غل: وقبل أن تستسلم تلك الملكة قمرية ليسوقها أسيرة عارية القدمين والرأس في سلاسله وقيوده عبر شوارع إثيوبيا بنفس ما فعله مع أبي.
عندئذ رمقها سيف اليزن بنظره غائرة الأعماق والأبعاد، محاولا تفهم غرضها الأخير، فلم يكن قد سبق له أن حدثها قط عن ملكه أحمرا قمرية.
بل إن توالي الأحداث وصخبها استعدادا للحظة تجمع قرار المسير بنواة جيش حديث التكوين، دفعهم للزحف سريعا باتجاه شرق أفريقيا وأواسطها، ومواجهة جيش الحبشة وملكها. - وريث عرش يهوذا.
وهو قرار كان سيف بن ذو اليزن قد عقد الرأي على تأخيره كثيرا، وهو الأقدر بالطبع على معرفة مدى قوة الحبشة ورسوخها في مجاهل أفريقيا، مضافا إليه أيضا الدور العنصري - الدعائي - ضد العرب الساميين لونا وجنسا بل وحضارة من جانب أرعد، واصفا إياهم بالبدو الغزاة.
وبدأت الأخبار المتوالية الوصول تطرق كل الأسماع حول حصار أحمرا وملكتها قمرية، وهو ما أقلق مضاجع سيف إلى حد الفزع، وأفضى به في النهاية إلى اتخاذ قرار المسير عبورا من أقصر الطرق باتجاه الحبشة ذاتها ثم أحمرا.
وخلال المسير الذي استغرق بضعة أسابيع طويلة واصل فيها سيف اليزن سيره المؤرق ليل نهار.
وفشلت كل جهود شامة في التخفيف من أعبائه إلى أن اقترحت عليه اتخاذ بلادها وموطنها منطلقا للجيش العربي؛ نظرا إلى قربها محققة بذلك هدفها الدفين الذي أصبح يشدد في عضدها، وهو الانتقام لوالدها الطيب الذي اقتاده الأحباش أسير مقيدا بذيول خيولهم عاري الرأس والقدمين إلى أن تم صلبه مقلوبا رأسا على عقب على بوابات إثيوبيا.
مما دفع بسيف إلى التعديل من خطته، مقسما جيشه إلى فيلقين:
أولهما اتخذ اتجاهه إلى شرق بلاد الحبشة ذاتها، بقيادته مستخدما حيله الماهرة التي عرفت عنه في «حرب النيل»، بينما سار الفيلق الثاني باتجاه «أحمرا» وما يتبعها من أقوام أفريقية.
حتى إذا ما حانت لحظة الافتراق بفيالقه مسرعا عن شامة لتنفيذ تهديداته الخلفية لجيش الحبشة والانتهاء منها بأقصى سرعة يمكن تحقيقها، اتخذ طريقه على الفور للحاق بالفيالق المتجهة إلى نجدة المدينة العربية وملكتها المحاصرة «قمرية».
ولكم صعبت لحظة الافتراق هذه على شامة عندما ودعت سيف ذلك الغرام الطاغي الذي تملكها أكثر وتضاعف لهيبه منذ توالي ما مر بها من أحداث جسام.
فتذكرت حين أنقذها من ذلك الموت العاهر بين براثن - مقلقل - ابن سيف أرعد، ثم إفلاتهما معا عبر وهج المعارك والمخاطرات للخلاص من الشر.
وهكذا سرعان ما اندلعت سريعا المعارك، حين غير سيف بن ذو اليزن هيئته كلية بدءا من شعر رأسه «الأكرت» الجعد وانتهاء بلون وجهه ويديه وبدنه بكامله، ثم دخل الحبشة، وهو على دراية كبرى بمسالكها، منقضا على مقتلها باستخدام نقيضين لا غيرهما: الغرق والعطش.
فحقق انتصاره، وأحدث الذعر الجارف في ربوع البلاد المترامية، التي ما إن وصلت أنباؤهما إلى أسماع ملكها سيف أرعد، وهو على مشارف تحقيق نصره وحلمه الطاغي، باقتحام أسوار عاصمة «بدو المشرق» والإمساك برأس الأفعى «قمرية» حتى تهدم كل شيء كمثل معبد قديم تهاوى على رأسه الكبيرة. - جنون ... الخيانة ... الخيانة!
وقبل أن يفيق سيف أرعد من هول ما حملته إليه الأنباء محاولا إعادة السيطرة على جيشه وفيالقه، كان ابن ذو اليزن يأخذ طريقه للحاق ببقية جيشه والإطباق من الخلف على سيف أرعد ذاته، مما خفف الحمل الجسيم عن «أحمرا» ودفع بقمرية من جانبها إلى التشدد والمواجهة، وكأنها بهذا إنما تحكم إطباق فكي الكماشة على جيش الحبشة بقيادة سيف أرعد.
واشتدت وطأة القتال الذي امتد إلى داخل أحمرا ذاتها، خاصة حين دخلها سيف اليزن بجنوده، مواصلا خداعه وتنكره، في محاولة للحاق والإمساك بسيف أرعد ذاته.