وكان الوزير أبو الريف، يقصد من وراء ذلك كسر جماح الرغبات المستعرة بالشر من جانب زميله سقرديون.
ولما كان سقرديون، أضعف حالا هذه الجولة من فرض تصوره - السياسي - بالحرب، فقد آثر مهادنة الوزير أبو الريف؛ مشيرا: لكم ما ترونه.
حتى إذا ما انتهت الحبشة من دفن جثمان - ولي العهد - وهدأت طبول الحرب والعدوان إلى حين، أعاد سقرديون إذكاء لهيبها في أذني سيف أرعد. - الحرب والدمار للعرب المعتدين.
وعلى الفور انتظمت صفوف جيش الأحباش للانتقام والعدوان، آخذة طريقها إلى حيث أسوار المدينة العربية - أحمرا - وملكتها «قمرية» وابنها سيف بن ذي يزن. - التبع الغازي، الجديد.
الفصل الرابع والعشرون
| مهد التباعنة
ما إن حقق سيف بن ذي يزن انتصاره بقتله لمقلقل بن سيف أرعد ملك الأحباش، وإنقاذه لحبيبته رفيقة طفولته وصباه «شامة» من بين براثنه، حتى عبر النيل باتجاه القرن الأفريقي، مواصلا هروبه بها من جنود وحلفاء وعيون سيف أرعد.
وهو الذي جن جنونه مما حدث وانتهى بقطع رأس ابنه ووريثه في حكم أفريقية، على ذلك النحو السافر من الغدر.
ثم هي الرأس التي شهرها سيف اليزن من فوره حين حط رحاله وشامة وسط الأقوام والقبائل الموالية للعرب والتباعنة، فأثارت الحمية بين الجميع، ومن الذين عانوا الأمرين من عدوان وتجبر الأحباش وملكهم، وبخاصة منذ أو وافت المنية والد الملك التبع ذي اليزن.
وهكذا تدفق من جديد الحماس للعرب في أفريقيا وبخاصة غربها وشمالها المتاخم للجنوب العربي، فتواترت أخبار ما حدث من كيان إلى آخر، إلى أن وصلت ربوع اليمن ذاته، بل جزيرة العرب بأسرها.
إلا أن إجماع المشورة بين الأقوام العربية وحليفاتها استقر على ضرورة وأهمية إسراع سيف اليزن بالزحف وخطيبته وكتائبه القليلة العدد، باتجاه اليمن والجنوب العربي، هربا من عيون سيف أرعد وبطشه وأذرعه الطويلة التي لن تهدأ أو تهادن فيما حدث، وبعد أن وصله جثمان ابنه المسجى، بلا رأس. - جثة بلا رأس. - منين نعرف لها أساس.
لذا آثر سيف بن ذي يزن الامتثال لإجماع المشورة العربية، مواصلا زحفه السري من مخبأ إلى آخر، إلى أن حط رحاله وبرفقته خطيبته شامة ابنة ملك أفراح في ربوع اليمن؛ حيث دفء الأهل والعشائر.
مهد التباعنة
وجرى استقباله بين قبائله وعشائره مجللا بالنصر والظفر اللذين حققهما عبر جهاده الطويل، لتثبيت حكم التباعنة في مجاهل القارة السوداء، وهو الذي ولد وتربى يتيما عبر المنافي والمخابئ تحسبا من ذلك العدوان المبيت ضده من جانب الأحباش وملكهم سيف أرعد، الذي كان قد اختطفه بالفعل عن طريق الدايات - أو القابلات - منذ اللحظة التي فارق فيها رحم أمه قمرية.
وها هو سيف بن ذي يزن الآن وبطولاته التي أصبحت مضرب الأمثال، تلهج بها الشفاه والجباه المتعطشة للنصر العربي، الذي كان قد شحب وهجه بموت والده ذو اليزن الذي أودى به المرض العضال قبل الأوان، وقبل أن تكتحل عيناه برؤية ولده الوحيد.
هيكل، سيف
حتى إذا ما دخل قصر أبيه ذو اليزن وجده - عمرو بن مزيقيا - الذبيح بيد أخيه التبع حسان، تدفقت مشاعره والتهبت من جديد بمواصلة الكفاح، وعلى الفور سرى وانتشر نبأ وصول ابن ذي يزن، المجلل بالنصر الذي اقتنصه اقتناصا ولو عن طريق الخداع في مواجهة الحبشة وأطماعها في عرش التباعنة وأحلافهم، سواء في أفريقيا، أو فيما بين الرافدين، أو في غرب آسيا .
وتدفقت وفود القبائل من أمراء وشيوخ قبائل من حمير وقحطان، من كل صوب وقوم وكيان، إلى سبأ للتهنئة بالنصر. - سيف بن ذي يزن! يا لها من معجزة! يا لها من صحوة انتظرها الجميع طويلا طويلا!
وعلى هذا النحو وصل سيف بن ذي يزن ووطئت قدماه أرض أجداده محملا برأس وريث «عرش يهوذا» ابن ملك الأحباش.
وسرى الحماس متدفقا بين الجميع إلى حد المطالبة بتنصيبه تبعا على عرش أجداده.