كانت قمرية تحفظ للملك الراحل ذو اليزن وصاياه بالحرص على مدوناته وكتاباته التي سبق أن أفنى فيها عمره وخيرة سنوات شبابه.
وذلك منذ أن تربى ذو اليزن - بدوره يتيما - في ربوع سبأ ومأرب وسدودهما التي كانت أعجوبة العالم القديم، وحققت لليمن حضارتهما التي أوصلتها إلى ربوع آسيا وما بين الرافدين وحتى مجاهل الشرق البعيد أو الأقصى.
وكان يحلو لقمرية، خاصة عقب الموت المعجل الذي أودى بحياة ذو اليزن، استخراج كتاباته ورسوماته التخطيطية الملونة على خرائط من جلود الأيائل البرية، والمنقوشة على العاج ورقائق الذهب، لتعاود فك طلاسمها وملغزاتها قارئة في استغراق وتلهف.
كما كان يحلو لها أن تنقل معارفها هذه موصلة بين الأب وابنه الوحيد - سيف - عندما كان لا يزال في كنفها قبل منفاه.
بل وكثيرا ما اقتادت سيف - الطفل - إلى حيث مخازن وكنوز وخزائن الملك التبع التي كانت تخفيها عن العيون في أعمق أعماق قلاعه السرية؛ حيث أودع ومنذ أن داهمه المرض. - كتاب النيل.
فتروح قمرية تلاعب ابنها - سيف - بقلائده وسواراته الذهبية وأحجار والده القيمة التي جمعها أسلافه وأضاف إليها هو الكثير، خاصة حجره القاتم الزرقة الذي اشتهر باسمه في التاريخ «لابس لازلي» وهو حجر ذو اليزن الذي قد يفوق الياقوت والزمرد قيمة.
إلى أن تجذب قمرية اهتمام ابنها سيف - وقبل أن تدفع به إلى المنفى - إلى كتابات الملك وخرائطه ومدوناته عن الماء والتربة، ونهر النيل.
وكان سيف الطفل بدوره يبدو سعيدا فرحا متوقد الذكاء منفتحا على المعرفة والاستزادة، بل وكثيرا ما طالب هو أمه الانسلال معا، وبعد أن ينام كل من في القصر والمدينة وحتى أقرب المقربين إليهما، إلى حيث يحفظ كتاب النيل.
فكانت قمرية تحرص بالذات على مخطوطات ذو اليزن، حول النيل ومكوناته وأسراره حرصها على حدقتي عينيها هي، فلم تطلع أحدا على خزائنها حتى وزيرها الأول «يثرب» حفاظا على وصية الملك بإيصالها إلى ما في بطنها حسب أمنيته. - هيكل، سيف، ولدي.
حتى إذا ما شب الغلام - سيف - وأصبح قادرا على القراءة، بدأت قراءاتها معه لمدونات والده الخطية، وهي تصب الكلام في أذنيه صبا ليحفظه ميسرا عن ظهر قلب.
كانت في كل حالاتها تتحسب لذلك اليوم المرتقب الذي سينتزع الطفل فيها من بين أحضان صدرها، ليربى في الخفاء بعيدا عن بطش سيف أرعد وأذرعه الطولى على طول غابات أفريقيا ومنافيها.
وكان كثيرا ما يستبد بها الشوق والحنين إلى رؤية وليدها التي حرمت منه منذ طفولته وصباه، كأي أم بسيطة. - سيف، وحيدي.
وكان يشتد بها ذلك الحنين الطاغي، خاصة في أيام الشدة والضيق بسبب عدوان ملك الأحباش، وذلك التحدي الكبير الذي فرضه عليها فرضا؛ بسبب الانتقام - الشخصي - منها. - حية أحمرا الرقطاء.
وفي مثل تلك اللحظات العصيبة، لم تكن قمرية تجد مخرجها إلا بإعادة السؤال - لوزيرها يثرب - عن ولدها ومصيره وأخباره المنقطعة عنها منذ سنين. - سيف، أما زال حيا يرزق. - هنا يقاربها يثرب بهدوئه وما عرف عنه من حكمة وبعد نظر قائلا: اهدئي أيتها الملكة، اهدئي فالأمير سيف يحيا في أحسن حال. - أين؟
هنا يستبد الصمت بالوزير الحكيم فلا يقدر على الإفصاح حتى لها هي، أمه، بمكانه ومخبئه. - أين؟!
الفصل الثاني والعشرون
| حروب النيل
كان ملك الأحباش سيف أرعد، قد وصل به التوجس مما أصبح يحدث له في معاركه المستعرة مع قمرية إلى حد الجنون بعينه، فما يكاد يشتد ساعده وساعد أبنائه الكثيرين من زيجاته - السياسية - المتعددة داخل مختلف أقطار القارة السوداء، حتى يصبح على باب قوسين أو أدنى من وضع يده على أصل الداء، بتقويض - أحمرا - وإعادة مليكتها أسيرته.
هنا تداهمه الأحداث الخطرة غير المتوقعة، حتى من داخل حدود بلاده ذاتها الحبشة وتخومها، التي لا يعرف لها مصدرا.