حتى إذا ما حل مساء اليوم التالي، ومع انبلاج الفجر، تجدد الطلق الشديد على قمرية، لدرجة كادت أن تودي بحياتها ذاتها، وهي محاطة بالوصيفات و«الدايات» من كل جانب في حين ملأ صراخها جنبات القصر.
إلى أن علا صراخ المولود الذي غطى على صراخها فعلت الزغاريد طاغية من كل جانب، إلا أن قمرية أشارت إلى حاجتها الشديدة إلى النوم.
واستسلمت من فورها إلى نوم عميق بعدما وضعت أمانتها.
وحين استيقظت في ضحى اليوم التالي، استدارت في لهفة لترى وليدها للمرة الأولى، ولكنها لم تجده.
صرخت: ابني وحيدي، سيف!
الفصل الحادي والعشرون
| الحرب الضروس في القرن الأفريقي
اندلعت نيران الحرب الضارية المستعرة بين «سيف أرعد» وأرملة الملك التبع ذو اليزن «قمرية».
وهي الحرب التي امتدت رحاها على طول أواسط أفريقية وقرنها الموصل إلى اليمن والجنوب العربي.
كما أنها حرب كانت قد تأجلت طويلا، نظرا إلى الظروف والملابسات الفاجعة التي مرجعها المرض المفاجئ للتبع ذو اليزن، عشية زواجه من قمرية التي كانت قد انشغلت بدورها بحملها المتعثر بابنه سيف، الذي دفعت به إلى الوجود يتيما بعد حدث موت ذو اليزن الفاجع في غيبتها، وهي تدفع فلول الأحباش الذين شارفت كتائبهم المتربصة المخربة أسوار «أحمرا» ذاتها.
وهكذا نجحت قمرية في إجهاض عدوان سيف أرعد المبيت بعد إشاعته - الكاذبة - لموت ذي اليزن، متصورا هو ووزيره المتآمر المعادي للعرب «سقرديون» أن الطريق قد أصبح أمامهما مفتوحا لتقويض عاصمة التباعنة بوسط القارة السوداء التي نبتت كمثل شوكة ترمي إلى تعريب أفريقيا مبكرا.
إلا أن سيف أرعد لم تغفل عيناه عن مرماه بتخريب أحمرا والانتقام الأسود المبيت من جاريته - أو مملوكته - قمرية التي خانته قبل أن تخون الملك ذو اليزن، حينما جاءته مغتالة، فاستحالت إلى محبة أنهت مهمتها بالاقتران به.
ترنم أرعد في حقد: تلك الذئبة، صحيح؛ لأن أباك «ديب».
حتى إذا ما استوثق سيف أرعد من مواراة التبع اليمني - كما كان يدعوه - الثري، بذل المستحيل باتجاه إعادة تكوين نواة جيشه، مشجعا وداعيا قومه إلى الإكثار من النسل والإنجاب، ومستقدما بعض فلول كتائبه من البلاد التي كان يحدوه حلم أسلافه «أسود يهوذا» بتملكها بدلا من أن تسقط في أيدي العرب - الساميين - بدءا من مصر العليا، والسودان وبلاد النوبة، وانتهاء بالمغرب الكبير، وبخاصة تلمسان التي كانت شبه خاضعة لسيطرته وتمدد نفوذه السرطاني.
في تلك الأثناء، لم تخمد نيران مؤامرته المتكررة هو ووزيره الشرير سقرديون، لاختطاف أو قتل أو اغتيال سيف بن ذي يزن الطفل والرضيع ثم الشبل.
إلى أن تراءى لقومه، أن الحكمة تقتضي رعايته وتربيته في الخفاء بعيدا عن العيون حتى أمه ذاتها، متنقلا من موطن وكيان، وقبيلة ومدينة إلى أخرى، بمأمن عن أذرع سيف أرعد السرطانية الطويلة المتوغلة في تلك القارة السوداء الغارقة في سباتها، أفريقيا.
وهي الأيدي التي تمددت كأخطبوط، وكان على قمرية مواجهتها - إن لم يكن اليوم فغدا - لإعادة استئصالها، وإلا لضاع كل شيء من ميراث التباعنة، سواء في أفريقيا، أو في ربوع جزيرة العرب جنوبا وشمالا على السواء.
ومن هنا أهابت بجميع الأقوام التابعة ضرورة الصحوة وجمع الشمل ونبذ الأحقاد، مسافرة متنقلة محرضة بنفسها.
فزارت سبأ وحضرموت وصنعاء وعدن وعمان والبحرين ويثرب وإخميم ومصر وقرطاج وتونس وبعلبك ولبنان؛ محذرة من سيف أرعد وأطماعه، جامعة فلول جيش التباعنة والمبادرة بالحرب دون غفلة.
حتى إذا ما نشبت الحرب، أبلت قمرية البلاء الحسن إلى حد الاستبسال الذي أخرس كل الألسنة الطامعة في النيل منها كامرأة أنثى، وهي الأقرب إلى أن تكون «أعجمية» منها إلى أن تكون عربية رغم اقترانها بالتبع الراحل وخلفها منه.