تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين انتشى ملك الأحباش سيف أرعد، من مكيدة وزيره «سقرديس»، هب من عرشه مشيرا إلى خدمه بإخلاء طريقه إلى حيث يقيم حريمه للاجتماع بتلك الجارية المسمومة قمرية.

وحاول الوزير الثاني أبو ريفة اللحاق بالملك سيف أرعد، للحيلولة دون تدخل تلك الجارية - الداهية - شديدة الطموح والتلون والناطقة بكل لسان ولهجة، في ذلك الأمر الخطر، إلا أن سيف أرعد لم يعطه آذانا مصغية، هاتفا وهو يقارب ديوانها: قمرية، أيتها الأذية.

الفصل الخامس عشر

| مؤامرة ملك الحبشة لقتل ذو اليزن

ما إن رفع الملك أرعد طرف الستار المفضي إلى مخدع الجارية الباهرة الجمال والمتوقدة الذكاء «قمرية»، حتى أدركت من فورها ما يشغل فكره، كما عرفت مرماه من زيارته هذه لها.

هبت قمرية مبتسمة ومرحبة قائلة: التبع اليمني الغازي، ذو اليزن، أليس كذلك؟

وقف الملك أرعد وواجهها مندهشا، وسألها: من أخبرك؟ - عيناك. - أجل يا قمرية؛ إنه ذو اليزن.

قاربها مفاتحا إياها فيما يجول بخاطره مسلطا عينيه في عينيها السوداوين الواسعتين المتوقدتي الذكاء اللتين تنطقان بالتحدي وتتجلى فيهما الفروسية.

ثم رفع ذراعه المغطى بأكمله بالأساور الذهبية، في ذات اللحظة التي أشارت إليه قمرية بالجلوس: استرح أيها الملك، لا تشغل بالك هكذا، فما من ليل دامس إلا ويعقبه نهار.

أعادت هي هذه المرة مواجهته والغوص في عينيه المثقلتين اللتين عاداهما النوم منذ زمن. - لا تشغل بالك كثيرا، فمن يدري ما يخبئه الغد؟ وحسنا فعلت بزيارتي بعد طول غياب. - كيف؟

أشارت إلى قارورة سمها الزعاف «ابن ساعته» الخضراء اللون، التي تخبئها بين جدائل شعرها الطويل الضارب الاحمرار: وكأنك كنت معنا يا قمرية! - أنا دائما معك!

غمغم الملك أرعد شاردا في استرخاء، محاولا تبرير ما هو مقدم عليه ولو أدى الأمر إلى التضحية بأجمل وأذكى نسائه المقربات، موضع سره وشكواه وأدق أسراره وخباياه: ماذا أفعل، إن ذلك التبع لا يصطحب معه مجرد جيش، بل أمة بأكملها، وأنا لا قبل لي بمواجهته مفردا وحدي، بعدما استسلم الجميع على النحو الذي تعرفينه.

قاربها أكثر في تودد: أتسمعينني، قمرية؟!

هب عن كرسيه متوقدا بالحماس الذي ألهبت به قمرية رأسه وأعصابه بمجرد لقائه بها، وكأنما هي جيش بأكمله قد هب لمساندته وشد أزره في وحدته المريرة هذه: أنا لم أعد أحتمل وحدي ذلك الغباء والتكاسل والتخلف الذي تعيشه هذه البلدان والأقوام والقبائل على طول هذه القارة المسترخية السوداء، أبدا لن أحتمل وحدي.

استدار مقاربا قمرية كمثل طفل يبغي هدهدة أمه الحنون الدافئة: أن أخرج بجيشي للقاء ذلك التبع اليمني وجيشه الذي يسد عين الشمس ذاتها وحدي؟!

واجهها في تلصص: ولعلك الأقدر على معرفة الأخطار التي جلبها ذو اليزن بنزوله وقبائله بلادنا.

كان الملك أرعد على دراية كاملة بمدى ما تتمتع به «قمرية» من قدرات سياسية لا تقف حدودها عند الحبشة والسودان وما حولهما من أقوام وكيانات، بل إن بصيرة الجارية الأعجمية المولد واهتماماتها، أكثر تطلعا وطموحا على الدوام، ولعلها ومنذ أن جيء بها من الأناضول إلى إثيوبيا، تحلم ولا تزال، باليوم الذي ترى فيه نفسها في ذروة السلطة والتسلط، تحيط بها هالات الشهرة والمجد أينما حلت.

وكثيرا ما شاركها سيف أرعد حلمها الكبير هذا في التطلع، دون كلل، إلى ما وراء البحار.

قاربها سيف أرعد: ولا منقذ سواك يا قمريتي من هذه الكارثة. وأفضى إليها الملك الحبشي بتفاصيل خطته في التسلل - بقارورتها - إلى التبع ومعها غالي الهدايا وثمينها من كل نوع وصنف: جمال وخيول وقطعان ضأن، ومال وذهب وفاخر الثياب وأبدع منتجات الحبشة، وختم كلامه لها قائلا: ولعلك ستتكفلين بالباقي، في الوقت والمكان الذي تحددينه أنت يا قمرية، ولا أحد سواك.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٤٩