ولقد حاول الوزير «يثرب» كلما حاول الملك مفاتحته في أمر ما جرى، تهوين الأمر عليه، بأن «البادئ بالشر هو عادة الظالم».
بل إن التبع ذاته كان ينوي الرحيل بجيشه عن بعلبك بعد أيام معدودة، دون أدنى أطماع أو نية سيئة تجاه ملكها الكريم الشمائل، الذي رحب بهم في البداية خير ترحيب، إلا أنه سرعان ما استهوته هذه البلاد الحارة المتفجرة بالعطاء الذي تفصح عنه طبيعتها السخية.
وتملكه الحماس أكثر حين تبين له مدى كثرة الماء ومجاريه على طول ذلك الوادي، بما يسهل له ممارسة هوايته وتحقيق أهدافه خاصة بحثه عن «كتاب النيل» الذي يؤرقه البحث عنه وحل طلاسمه وألغازه.
فانشغل الملك ذو اليزن في أبحاثه وأسفاره ما يعن له من ملاحظات حول الماء ومصادره، وكيفية التحكم فيه، خاصة النهر العظيم، نهر النيل.
حتى إذا ما انتهى ركب ذو اليزن من حط رحاله في ربوع تلك البلاد والغابات، أقيمت المضارب والخيام وبيوت الشعر، وبدأ بتشييد قصر التبع ووزيره يثرب على سفوح أعلى الجبال المحيطة بالوادي الفسيح وغاباته الكثيفة.
وانخرط الملك من فوره مستغرقا في أبحاثه المضنية عن منابع النيل؛ حيث سافر المسافات الطويلة بصحبة حراسه ومساعديه، وسأل كتبته تدوين ملاحظاته وما توصل إليه، بل بعث بإحضار بعض مراجعه ومخطوطاته ومدوناته السابقة من مأرب وسبأ وصنعاء.
وكان كلما سافر ورحل وبحث، زاد تفكيره فيما يطمح إليه، واحتياجه للسنوات الطوال لاستكماله.
فهو الماء؛ الحياة قبل وبعد أي شيء آخر.
إلى أن استقر رأيه الذي فاتح فيه وزيره المقرب «يثرب» وهو ضرورة بناء مدينة، تليق بالملك التبع تقع إلى الجنوب أكثر من المكان الذي نزلوا فيه.
وعلى الفور أمر بإحضار الصناع والمهندسين، فحفروا أساسها وبنو جدرانها وأسوارها وحصونها المنيعة.
وانشغل الملك ذو اليزن بنفسه، في كيفية تحويل المياه إليها فأمر بشق أنهارها العذبة، بما يحقق أبحاثه وما هو منشغل به: كتاب النيل.
واستغرق العمل والبناء في إقامة المدينة الجديدة في أفريقيا الوسطى سنوات، حتى إذا ما اكتملت، أسكن عشائره ومقربيه وسماها بنفسه «أحمرا».
وجاءت مدينة «أحمرا» منافسة لسابقتها «يثرب» في اجتذاب التجار والصناع وأرباب الحرف والزائرين من كل صوب: من مصر والسودان وقرطاج والمغرب الكبير وبلاد الحبشة وبلاد «بنط» أو الصومال، إلى أن وصلت أخبار الملك التبع ذو اليزن ومدينته التي على مشارف أرض الحبشة، إلى مليكها الجبار بالغ السطوة والجاه والذي ترعد له القلوب عند ذكر اسمه: الملك سيف أرعد.
وهو الذي يحكم بلاد الحبشة وما حولها من بلدان متضمنة السودان؛ حيث تقف حدوده عند مصر العليا. - يا للغفلة التي لن تغتفر يوما لأحد، كيف جاء عرب اليمن وتبعهم الكبير ونزلوا بلادنا واستوطنوها، وشيدوا مدينتهم ونحن لا نزال غافلين؟
استشاط ملك الحبشة سيف أرعد غضبا وصرخ في وجوه أعضاء مجلس حربه، من أمراء وشيوخ قبائل وحكام وقواد ومستشارين. - كيف حدث هذا؟!
توقف الملك فجأة، حين قدم وفد إلى مجلس حربه الذي كان قد دعا إليه، وكانوا يتوافدون بمراكبهم البحرية، صاعدين من فورهم إلى حيث قصر الملك سيف أرعد.
وكانت مدينة ذلك الملك يقع نصفها في البحر ونصفها الآخر في البر، وكانت حصينة مترامية الأطراف، فيها القلاع والموانئ والمنشآت البحرية ومصانع صنع مختلف الأسلحة التي اشتهرت بها في كل بلدان أفريقيا، التي لم تكن لتهدأ لها حروب ومنازعات، مما جعل تجارة الأسلحة رائجة وضاعف من ثراء مدينة الملك سيف أرعد التي اشتهرت أيضا بزرع الفتن بين أقوام القارة السوداء المترامية الأطراف.
وكان ملك الأحباش الذي يرفل في الذهب الإبريز ومعه كبار تجار المدينة لا هم لهم سوى الثراء، بغض النظر عن كيفية الحصول عليه، أما أن تصل الغفلة بالجميع إلى حد أن ينزل بلادهم وتخومهم بدو عرب المشرق وتبعهم واسع الشهرة والعلم والشكيمة ذو اليزن، فتلك كارثة الكوارث ولا شك، والأدهى أن يجيء نزولهم على هذا النحو، بلا حرب أو معارك أو قتال أو مقاومة، إلى أن يهنأ لهم البال فيشيدوا مدنهم وحصونهم، وها هي «أحمرا» عاصمة التبع، أصبحت تجتذب، عاما بعد عام، كل الأنظار المتطلعة لمصنوعاتها ومنتجاتها ومبانيها وأنهارها وبساتينها. - إلى هذا الحد تصل الغفلة بالجميع؟