تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نطق بذلك الملك بعلبك متراجعا قليلا عن جدار النافذة العليا المشرفة على قمة «برج البروج»، مرتجا من هول الكارثة التي لا قبل له من قبل بمثلها. - كل هذا الجيش والعتاد.

كان الملك بعلبك قد أمضى يومه بكامله مستطلعا لقطعان الخيول العربية المطهمة والعربات الملكية وقوافل الجمال، وفيالق جيش المشاة، وقطعان المؤن التي لا تنتهي من رءوس الأبقار والجمال والماعز .

حتى إذا ما قارب دخول الليل التالي وهو ما زال مأخوذا بارد الأطراف من هول ما يشهد، وما لم يشهد من قبل، عاد مؤكدا لنفسه بصوت واضح النبرات لمن حوله من كبار قواده ومستشاريه وعيونه المسلطة. - هذا ضيفي!

واستمر الوضع على هذا الحال أياما امتدت إلى أسابيع، لم يرفع فيها أي سلاح. - ويلي، ويلي!

صحيح أن الملك «بعلبك» لم تغفل له عين من هول ما رأي من ضخامة جيش التبع اليمني، ومدى حرصهم، وعدم تحرشهم بأحد، إلا أن ما أصبح يبحث عنه هو. - كيف التصرف؟

وهكذا أمر الملك بعلبك من فوره بإرسال واجبات الضيافة وإعدادها بكثرة تفيض عن حاجة ذلك الجيش، من رجال وما يليق بهم ومن في معيتهم من زوجات وأمهات وشيوخ وأطفال.

وما إن انشغلت المدينة عن بكرة أبيها بإعداد كل ما يلزم من واجبات استضافة جيش التبع الذي لم يبدر منه عدوان إلى الآن «ربما يمر مرورا ببلادنا وبلاد جيراننا وغيرنا من أقوام»، كما أمر الملك، حتى حمل الحرس المكون من كتيبة مسالمة في هيئة رسول وآلاف الذبائح المطهية للترحيب بالتبع الملك «ذو اليزن» من قبل الملك «بعلبك» لضيوفه العرب النازلين.

وعادوا من فورهم محملين بشكر التبع ذو اليزن للملك بعلبك، واستمر هذا الحال في تقديم «العشاء» من قبل ملك بعلبك بضعة أيام، إلى أن قرر ملك بعلبك الانتقال بنفسه لملاقاة التبع. - لنعرف ما الخبر؟ وما يحدث؟

وهكذا انتقل إليه ملك بعلبك في حرس بسيط، فهب الوزير يثرب لاستقبالهم إلى أن أدخلهم على الملك ذو اليزن الذي رحب به شاكرا حسن ضيافته، وهو في طريقه بحثا عما يشغل باله وفكره عن مصادر الماء، وخاصة. - كتاب النيل.

غمغم ملك بعلبك متحسسا جبهته كمن يمنع نفسه من الإغفاء، بعد طول عناء: النيل.

قاربه الملك ذو اليزن في مودة وهو يأخذ بيده ليعتلي عرشه إلى جانبه: منابع النيل.

وما إن دارت أقداح القهوة العربية، حتى استجمع ملك بعلبك كامل توهجه، وكان ضخم البنيان، كث الشوارب والحاجبين، محبا للحياة ومباهجها، وبدا للحظة مفتونا من مشهد الملك التبع ذو اليزن وصفاء ذهنه وما يشغله من موضوع، هو في الحقيقة قوام كل حياة في الوجود من سلم وحرب وسياسة. - الماء ومصادره.

اندفع من فوره محييا ذو اليزن. - يا له من موضوع يليق بالملك.

وامتد الحديث بينهما عذبا يفيض صفاء وتدفقا حول عالم البحار والأنهار وأسراره التي سيظل موضوعها يشغل كل بال.

إلى أن تفهم ملك بعلبك، حسن غاية التبع، فعرج بالحديث مستوضحا هدفه من النزول على تخوم بعلبك، فأخبره الملك ذو اليزن مازحا بصوته العميق الذي يشيع كل طمأنينة في آذان سامعيه: لم لا يعرف كل منا صاحبه؟

ثم أعاد ذو اليزن طمأنة الملك بعلبك قائلا له: ولعلك الآن تعرفت علينا وأدركت حقيقة نوايانا.

هنا فهم ملك بعلبك غرض التبع ومرماه، وكيف أنه الآن - أي ملك بعلبك - على معرفة بحجم جيش التبع وعتاده.

فبادره ملك بعلبك ممتنا مرحبا: هذا مطلب يشرفنا حقا أيها الملك الحكيم التبع.

قال ذو اليزن: «مرادي أن أنظر عسكرك.» - هذا شرف كبير لنا حقا.

وقبل أن يهب ملك بعلبك مودعا التبع ذو اليزن منصرفا، اتفقا على استعراض عسكر الأول في اليوم التالي. - فلعلك أيها الملك الكريم، تبارك جيشنا وترعاه.

الفصل الثالث عشر

| ملك بعلبك يجمع مستشاريه

ما إن انصرف التبع ذو اليزن عقب استعراضه لجند وكتائب وعتاد ملك بعلبك الهائلة العدد والعدة، وذلك التنظيم وحسن المظهر الذي اتسم به أفراد الجيش وقادتهم، حتى أحاطت المخاوف والهواجس من جديد بملك بعلبك؛ متسائلا: ماذا أفعل؟ دلوني!

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٤١