تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

خلاصة القول أن هؤلاء الملوك «التباعنة» هم أسلاف حضارة أكثر سبقا، وهي حضارة قحطان أو يقطان كما يذكر في العهد القديم، هي حضارة لا أغالي إذا ما قلت: إنها انتقلت مبكرا ربما منذ الألف الثاني قبل الميلاد إلى أمريكا الوسطى والجنوبية، وعرفت بنفس الاسم فيما بين المكسيك وبيرو، والملفت للنظر أن بها معظم الجسد الشعائري والعقائدي والفولكلوري أو التراثي - بعامة - للعرب، كما أن بها أهرامات يبدو أنها نقلت بكاملها من مصر، وربما هذا ما دعا أحد المستكشفين أو الرحالة النرويجيين منذ حوالي عشرين سنة إلى محاولة إثبات كيف انتقلت هذه الحضارة وبخاصة أهرامات مصر إلى أمريكا الجنوبية، وكان المقصود بها حضارة قحطان أو يقطان أسلاف الملوك «التباعنة».

أما بالنسبة لسيرتنا عن هؤلاء الملوك فتبدأ بإعداد الملك التبع «أسعد اليماني» لتسعة ملوك متحالفة تحت إمرته مثل أجاممنون في حرب طروادة متخذا قراره القائل: «قد دعتني نفس أن أنطح الصين.»

وهكذا واصل الزحف كملك الملوك - أجاممنون - إلى تخوم الشرق الأقصى والصين، إلا أنه وقع فريسة لخيانة أحد ملوك الصين، الذي أوعز إليه بالمساعدة وتعرف الطرقات والمسالك، بينما كان يضمر له خيانة كبرى أوقعت به وبجيوشه في الكثير من المآزق والخسائر حتى إنه فقد أربعة من أبنائه في تلك الغزوة، اعتاد كل مساء أن يحضر رءوسهم على صينية من الذهب الخالص مغطاة بالرماد ويظل يبكيهم نادبا قبل أن يأوي إلى فراشه.

وعندما تعرف على خيانة الملك الصيني استقدمه وقطع لسانه من دابره، ثم وضعه في قفص ضخم من الذهب الخالص وأجلسه مقربا من مجلس حكمه كما كان يتعامل معه من قبل في كل اجتماع من اجتماعاته، حتى مجالس حربه ليصبح بلا فائدة تذكر، فلا يتكلم أو ينطق وجعل منه عبرة للخيانة على هذا النحو، إلى أن قرر مجلس حربه العودة بالملك التبع أسعد اليماني والانسحاب من مجاهل الصين والرجوع إلى اليمن والجنوب العربي.

وقبل أن توافي المنية ذلك التبع المتجبر أسعد استقدم ابنه التبع الذي سيخلفه على عرش حمير وعلى التباعنة، وهو «حسان اليماني» الذي عرف في الوجدان الشعبي من المحيط إلى الخليج بذي اليمنين، قائلا له: لا تضجعوني فيضطجع ملككم، بل ادفنوني واقفا ليظل ملككم شامخا.

وهكذا دفن ذلك التبع السلف أسعد واقفا في أعماق الصخر.

وعادت الجموع إلى عدن وسبأ وذي النسور وحضرموت بعد أن وزعت الغنائم التي أشرفت عليها الكاهنة الأم الكبرى أو قائدة الجيوش التي كان لها ثلث المشورة، كما هو متفق عليه بالنسبة للكاهنات المحاربات كأثينا في حرب طروادة، والجازية في حروب الهلالية، وهي «البسوس».

وحين مات استدعت البسوس حسان بن أسعد ليكمل مشوار التبع والده ، بضرورة الالتزام بوصيته وهي الذهاب إلى كاهنة «جبل ضهر» وتنفيذ كل ما تشير عليه من مشورة؛ قائلة: في كل ما تشير عليك به كاهنة جبل ضهر اسمع لقولها. حتى إذا ما ذهب إلى كاهنة جبل ضهر بادرته قائلة: لقد تأخرت كثيرا، فقال: عن ماذا؟ قالت: عن حكم حمير، فمن مغارة جبل ضهر هذه خرج سبعة فراعين عظام حكموا مصر، وأجلسته على كرسي من الذهب الوهاج مغطى بالحيات والعقارب؛ قائلة له آمرة: اجلس، فجلس، وأشارت عليه بقتل أول من يصادفه حين خروجه من باب مغارتها خارجا، وكان أول من صادفه هو أخوه الوحيد المدعو «عمرو ذو الأزعار» إلا أنه تردد في قتله وأصابته حمى حاوطته إلى أيام، وما إن فاق منها حتى احتضن أخاه عمرو ووضع خنجره في جنبه وقتله.

وهكذا حكم ذلك التبع حسان اليماني ولقبه ذو اليمنين حمير وتوابعها، واتخذ وزيرا له اشتهر بالحكمة والعدل يدعى «يثرب» فقربه منه إلى أن استقدمه ذات مساء وأنشد قائلا:

يقول التبع اليمني المسمى

بحسان فما للقول زورا

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًاص ٣