ولكم كانت دهشة الملك الغازي حسان اليماني الكبرى وهو يرنو إليها من أعلى هامة جواده، ليتعرف عليها في لباس الحرب. - امرأة؟! - أجل امرأة، أيها المتآمر، المدجج بالليل والأشجار.
ضحك التبع حسان طويلا، إلى أن استلقى على قفاه. - لم أضحك منذ زمن! - غدا تضحكك الأيام والليالي أكثر فأكثر يا حسان.
وحين حاول جنوده الاعتداء على زرقاء اليمامة والإجهاز عليها منعهم بنفسه: دعوها فهي حليلتي!
فما كان من زرقاء اليمامة إلا أن زحفت إلى أن قاربته، بعد أن راقت في عينيه نظرا إلى جمالها الباهر وذكائها المتوقد، وذلك التحدي البديع الذي يغطي ملامحها وخلجاتها.
حتى إذا ما حاول التقرب منها، طعنته بخنجرها إلى حد جرحه ونزف دمه.
عندئذ عملت سيوف حرسه وفرسانه في جسدها إلى أن قضت الزرقاء نحبها على تراب مدينتها اليمامة ترويه بدمها.
وجاء انتصار حسان اليماني الساحق على اليمامة المطلي بالخديعة والغدر، وبالتالي كسر شوكة «جديس» على طول جزيرة العرب، مجرد فاتحة طريق لشهيته المتعطشة للدماء والتفوق على الآخرين، ومن ثم الحفاظ على سلطة أسلافه «التباعنة».
فاجتاح نجران ودان له بحر العرب والعجم، وأفنى أقواما وقبائل من العرب، التي عرفت فيما بعد بالبائدة، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة وكيانا منهم جديس، وجرهم والعماليق ورائش وبقايا فلول طسم.
ولم يكتف بهذا، بل تطلعت أنظاره الشرهة التي لا تعرف الاكتفاء إلى مواطن الزرع والضرع أو أرض «اللبن والعسل» في الشام وفلسطين، حرصا منه على الإبقاء على رايات السبئيين، ومن انحدر من نسلهم من «التباعنة» ملوك حمير وكهلان، الخفاقة مشرعة خفاقة.
فمن نسل حمير جاء ملوك بني قضاعة والكلابيين، أما من الشق الثاني للتحالف؛ أي كهلان، فقد انحدرت سبع بطون، تضخموا إلى قبائل وأقوام، وهم: طيء ومذحج، وهمدان، وكندة، ومراد، وأنمار، والأزد.
ومن الأزد انحدر فيما بعد الغساسنة - ملوك الشام - عقب خراب سد مأرب، كما انحدرت منهم قبيلتا: الأوس والخزرج ملوك يثرب - أو المدينة المنورة - كذلك انحدرت قبائل خزاعة، سدنة أو «كهنة» الكعبة فيما قبل الإسلام.
فمن الأسلم التعرف على تلك البنية القبائلية القرابية التي انتظمت تحت رايات ذلك التبع الغازي حسان اليماني، قبل إقدامه على نقل حروبه وفتوحاته خارج جزيرة العرب في الشام وفلسطين وأفريقيا التي ستكون من نصيب ذو اليزن الذي رأى مصرع أبيه وشهده بعينيه منذ أن كان رضيعا بين أحضان أمه، مصرع والده «عمرو»، حين جثا على أنفاسه أخوه الأكبر التبع حسان، لائما محتضنا في البداية، إلى أن استل خنجره من غمده وذبحه من الوريد إلى الوريد، وبعدها انقاد الملك التبع حسان لذلك الجنون الغاضب، فمضى يمزق ملابسه (الملكية) ويهتك عرشه - أي عرش التباعنة - بعدما امتدت يد الغدر والاغتيال لرقبة أخيه الوحيد المقرب «عمرو».
ذلك أن الملك حسان، وبعد أن انتظمت تحت راياته معظم تلك القبائل والأقوام بدأ يشاور وزيره الحكيم «حنظلة» سائلا، بعد أن رضيت عنه حمير واعتلى عرش «التباعنة» كاملا ودانت له أقوام وكيانات الجزيرة العربية: هل هناك أعظم مني في الأرض؟
فأجابه وزيره حنظلة متحرجا: يوجد خارج البحار عرب من أهل الشجاعة ، يقال لهم «بنو قيس» أو القيسيون، وهم من بنى مضر.
فاستشاط الملك حسان هائجا قائما عن عرشه ثائرا في وجه وزيره المنكمش الذي تراجع منزعجا من صراحته للتبع حسان، وهو الذي لم يضلله يوما مخادعا، استرضاء لمروءته: عفوا يا مليكي، إنها الحقيقة ليس إلا.
أعاد حسان صراخه المدوي في ردهات قصره، معترضا على ما تجرأ وزيره على البوح به في مجلسه: أتقول الحقيقة؟
لحظتها لاذ الوزير العجوز بالصمت، بينما اندفع الملك حسان مقررا الحرب والخروج إلى ما وراء البحار؛ منشدا: