يا أسير جانا سرية خطارة
ملوك منتظرين قطارة
يا أمير جانا من بلاد بعيد
وأنا بأمري يا ملك محتارة
ارتاح قلبي من نظرهم يا ملك
شبهتهم يا أمير شعلة نارا
ما راعني إلا الخيول ولبسهم
وكلهم يا أبو علي عالمهارة
ولبسهم ديباج بلون واحد
من الذهب فوق الصدور زرارة» «قال الراوي: فلما فرغ العبد من كلامه والأمير حسن يسمع نظامه فرح فرحا شديدا ما عليه من مزيد، وقال للعبد: اعزمهم. فراح العبد عزمهم، ونزلهم عن خيولهم، وربطها ومشى قدامهم، فسلمت سعدى على السلطان، وعرفته بنفسها وبرفقتها، فسلموا عليه، وسلم على سعدى ومن معها من الحريم. وأما أم مرعي لاقتها وضمتها إلى صدرها، وقالت لها: دخلك مرعي كيف حاله؟ وقبلتها بين عينيها، وسلمت عليها سلام الأحباب، وأما حسن سلم على سعدى، وصار يبكي ويقول:
يا سعدى بالله كيف أحوالهم
مرعي عديل الروح والرب عالم
وأبو زيد حكا لي عن أحوالهم
وأخبرنا عن أفعالك والظلايم
وأنت شفوقة يا صغيرة عليهم
وخلصتيهم من جميع الوهايم»
وهكذا نجحت سعدى في إيصال الرسالة، الخطة.
| هزائم الهلالية وعودة دياب
ويستشف من سياق نصوص السيرة أن إبعاد دياب بن غانم، ممثل التحالف اليمني القحطاني، عن القيادة والمقدمة للتحالف الهلالي، لم يكن لمجرد حراسة البوش والأموال وعتاد الحرب ومؤنه، بقدر ما هو جاء أشبه بمؤامرة محكمة التدبير من جانب تحالف عرب الشمال القيسيين أو الإسماعيليين من جانب سلطان بني هلال، حسن بن سرحان، وأبو زيد ومن في فلكهما.
ذلك أن الهزائم المتوالية التي أنزلها التونسيون المحاصرين بقيادة الزناتي، بقادتهم وأمرائهم، الخفاجي عامر، والقاضي بدير، وعقل ونصر، وزيدان قد وصلت إلى أربعين رأسا جزها الزناتي خليفة، ونصبها فوق أسوار تونس.
ودفعت الهزائم بنساء بني هلال إلى الاستنجاد بالمنقذ دياب بن غانم، فهو بذاته القادر على دحر الزناتي خليفة وجنده، وهو دون سواه المنوط به قتل الزناتي خليفة وفك طوق الحصار المزدوج .
فاندفعت وفود نساء الهلالية إلى حيث مضرب والد دياب الأمير غانم، ورحن يكتبن إلى دياب يستدعينه لأخذ الثأر، دوابة بنت الخفاجي عامر التي جزت شعرها، وأرسلته إلى دياب، ونفس الشيء فعلته ابنته - وكاهنته - وطفا التي تسمى بها - أبا وطفة - فأرسل له والده معددا ما نزل الهلالية من هزائم الزناتي بهم وأمرائهم.
ثمانين أميرا من هلال وعامر
دعاهم أبو سعدى برمح كعيب
وأنشد مشيرا إلى مشورة سعدى ابنة الزناتي خليفة ذاته، التي تنبأت بأن قاتل والدها الزناتي هو بذاته دياب بن غانم:
أخرب أبو سعدى جميع مساكنا
وما عاد لنا سامع ومجيب
دائر كما الدولاب وولد غانم
ينادي دياب مين لقا هريب
طاردته ثلاثة أيام ثم أربعة
شمس الضحى بعد الدموع تغيب
قتلت جواده طلب الشمس باكر
جاء من قدمته سريع عجيب
ألا يا دياب الخيل أسرع نحونا
واقتل خليفة يا أمير غصيب
قتل خليفة ابن عمك زامل
وأخوك عند ما عاد فيه نصيب
وأرسل غانم بكتابه وشعور النساء وتوسلاتهن لدياب، حيث مكانه في المؤخرة، في وادي الغباين أو المغبونين أو المنفيين، وما إن تسلم دياب الرسالة وقرأها، حتى رد الرسول سائلا: «وأين مكاتيب السلطان حسن وأبو زيد؟»
ولم يجب الرسول.
هنا رد دياب الرسول قائلا: «جئت هذا المكان برأيهما، فكيف أرجع بشورة النساء؟»
حتى إذا ما عاد الرسول، من وادي الغباين إلى حيث مضارب بني هلال، وأبلغ والده والنساء برفضه وحاجته إلى أمر أو تكليف من قادة الشورى، أحاطت النساء بمقر السلطان حسن وأبي زيد في شبه مظاهرة أو تمرد.
ورغم ذلك فقد رفضا بدورهم الكتابة إليه بالعودة والإغاثة.
لكنهما من جديد دفعا والده الشيخ، بل وأمه والبنات إلى التوجه إليه ومناشدته العودة بدلا من التراجع - عن قرارها السابق - وطلبه مباشرة للغوث والنجاة.