ثم رحل إلى بلاد «السرو وعبادة» - إلى الأردن وفلسطين - حيث تزوج بابنة الملك الصالح واسمها «عذبا». وبعد ذلك نرى السيرة تحدثنا أن «هذبا» التي خلفت له «جابرا»، كما وضعت «عذبا» جبيرا، ولم يمض على ولادة الطفلين زمن طويل حتى ترى الغيرة تدب بين الاثنتين ونرى كلا منهما تريد المنذر لها ولابنها، وينتهي الأمر بطلاق «عذبا» ورحيلها مع ابنها «جبير» إلى نجد. ومن نسل جابر وجبير انحدرت إلينا بطون بني هلال ونساؤهم الذين قاموا بالأدوار الهامة في مختلف فصول الحلقة الأولى من السيرة، فجابر ولد له «عامر، وتامر، وهشام، وحازم»، ومن نسل هؤلاء انحدر «رزق» والد أبي زيد، وسرحان والد السلطان حسن بن سرحان.
أما جبير فقد ولد له «رياح، وحنظل، والنعمان»، ومن ذرية رياح جاء دياب، فمن سلسلة النسب هذا يتبين لنا أن أبا زيد من نسل جابر، بينما دياب من ذرية جبير.
وعقب جيل جابر وجبير يرد خبر زواج «رزق» من «خضراء»، وكيف أنه رزق منها بفتاة تدعى «شيحا» وفتى يدعى «بركات»، وكان الولد أسود اللون؛ لذلك اتهمت خضراء في عرضها، وانتهى الأمر إلى رحيلها وابنها إلى بلاد الأمير الزحلان عدو بني هلال، فيكرم الأمير وفادتها ويعنى بها وبتربية ابنها ويوكل أمر تعليمه إلى كاهن أو معلم، فكان يعلم بركات - أو أبا زيد الهلالي - العلوم والحرف واللغات والحيل والمكائد التي اشتهر وتفوق بها:
ولساني عبراني اليهود بينفعك
ولسان سرياني تصير مشير
وكذا الطب والرياضيات والكيمياء، والصباغة والمعادن:
والطب أيضا دانيال أعلمك
وعلم الحساب وكل علم ظهير
وأعلمك علم الصباغات كلها
تصبغ لروحك ما تريد يا أمير
ويحدث أن يهاجم الهلاليون بلاد الزحلان، فيتصدى لهم بركات ويأخذ والده أسيرا، ويعترف له الهلاليون بشجاعته، ويطلقون عليه اسم «سلامة» ويعجب به الزحلان، فيزوجه بابنته «غصن البان» وتعلو مكانة «سلامة» في أعين الهلاليين الذين رأوا كيف أن مهابته وذكاءه ومهارته آخذة في الزيادة؛ لذلك تعارفوا عليه باسم «أبي زيد الهلالي سلامة»، وبعد أن تفرغ السيرة من سرد حروب الهلاليين مع الزحلان أو قبائل بني زحلان تنتقل إلى جيل سرحان، وتحدثنا عن خبر تعرفه بشما، ووقوعهما في أسر الإفرنج ونجاتهما بحيلة، من تلك الحيل التي اشتهر بها الهلالية، خاصة أبا زيد.
وشما أو شماء هنا في موقع الكاهنة أو الإلهة الأنثى القمرية، أو التي تتبع التقويم القمري، وتقود المهاجرين مشيرة بالحرب والسلم والمشورة، كما هو حال أولئك العرب الجاهليين، وتقويمهم القمري وليس الشمسي، وهو ما واصل تواتره كما هو معروف بالنسبة للتقويم الهجري القمري السائد إلى أيامنا.
فالسيرة الهلالية تفرط إلى أقصى حد بالنسبة لظاهرة شخصياتها الأنثوية، ومثل تلك الأميرة الكاهنة شماء:
انظر لشامتها
هذي علامتها
انظر لقامتها
شبه الردينية
الشعر مثل الليل
كأنه سباسب خيل
والوجه مثل السيل
بعيون هندية
بل إن السيرة في تاريخها لأجيالها المبكرة تضفي الكثير من الحكايات والفابيولات الجانبية والاستطرادية حول قصة الأمير سرحان قائد التحالف الهلالي وحبه وتعشقه لشماء والدته:
شما تلفتيني
بحبك ضنيتيني
قومي واسقيني
من فوق شبربة
بالليل أنا أزورك
وها الوقت دا شوبة
فهذه الإلهة الكاهنة شما، التي كان لها وحدها «ثلث المشورة» عبر حروب ومنازعات بني هلال في الهند وسرنديب واليمن والجنوب العربي بعامة ... هذه إلهة تتشابه في الكثير من الوجوه مع إلهات الحرب الأنثيات، وأبرزهن الإلهة «أثينا» في قيادتها للتحالف القبلي الهليني اليوناني في حروب وحصار طروادة.
ومثلها هنا مثل «الجازية»، فيما سيلي من أحداث الريادة وفتوحات بني هلال في الشام وفلسطين ومصر وليبيا لحين حصار تونس والمغرب العربي بعامة حتى الأندلس التي كان يحكمها أبو زيد الهلالي.