ومن التباعنة اليمنيين تبع أسعد، وابنه تبع حسان اليماني، أو ذي اليمنيين، صاحب السيرة المهشمة التي أشرنا إليها، الذي سبق أن غزا الشام ولبنان وفلسطين بألف سفينة حربية ومائة ألف جندي إلى أن فتحها، والذي اغتاله بعاصمة ملكه دمشق بالحيلة والمكيدة ليلة عرسه الدامي من الجليلة بنت مرة، كليب التغلبي «ملك العرب» الأخ الأكبر للزير سالم، الذي هجر منفاه الاختياري في بئر السبع الفلسطينية، وقاد حرب البسوس الشهيرة انتقاما لأخيه المغتال بدوره كليب من أخ زوجته الجليلة، ذهل بن شيبان الملقب بجساس بن مرة: «فما أن واصلت القبائل الهلالية زحفها جدوا في قطع الفلوات، حتى أقبلوا على مدينة الشام، وكان الحاكم في تلك الأيام على دمشق ملكا أشد فرسان المعارك، واسمه شبيب التبعي بن مالك، وقد كان رأى حلما في المنام، فقام خائفا، فجمع أكابر الديوان والوزراء والأعيان، وقال لهم: قد رأيت رؤيا الآن، قالوا: ما هي يا ملك العصر والأوان؟ قال: رأيت في منامي أنه قد أتى إلى هذه البلاد سباع شبه جراد. وكان كل سبع يأتي إلى شجرة يقلعها بأنيابه، ولا يبالي من الأخطار. وكان لهذا الملك وزير عاقل خبير، واسمه الوزير عميرة قال:
بني هلال بجمعهم قد أقبلوا
مثل الجراد يا شبيب وأكثر
من نجد قد رحلوا بجمع وافر
وفرسانهم من كل ليث قسور
قتلوا الدبيس بعد حرب هائل
وأتوا إلى الكوفة بهذا العسكر
لاقاهم الخرمندي سلطان العجم
قتله أبو مرعي مجد لأبتر
أما الفتى القمقمام فارس قومه
قتله الفتى الزغبي الأشقر
قتلوا الخزاعي بن حامد في حلب
ثم غربوا إلى حماة وسنجر»
وكان قد بلغه قدوم بني هلال إلى الشام، فزاد ذلك الأمر اهتماما على اهتمام؛ لأن أبا زيد كان عند رجوعه من تونس ومروره إلى الشام - كما سبق الكلام - قد استخلص من داره سرية عربية واسمها قنوع
2
وسار بها نحو بني هلال، فتأثر شبيب من هذه الأفعال، فاستدعى نجاب، وأمره أن يكشف له أخبار بني هلال، فسار ودخل على بني هلال، فأضافوه ثلاثة أيام، ورجع لعند سيده، وصار يخبره بهذه القصيدة، يقول:
يقول مسرور عما جرى له
ونيران قلبي زايدات شرار
ذهبت أكشف في هلال نزلهم
فسرت وفي قلبي لهيب النار
دخلت صيوان الأمير أبو علي
مليك عظيم عالي المقدار
وقال أهلا وسهلا ألفين مرحبة
لك الخير مني أنت ضيف الدار
وأمر لي حسن بخلعة سنية
بعشر مفاتيح وخمس زوار
وجدت قنوع العامرية جالسة
ومن حولها الشبان والآمار
باتت قنوع ترفع الصوت بالغنا
بصوت يحاكي العود والمزمار
قد مدحت بالسكر حتى تمايلت
وقد طار عنها برقع وخمار
تميل مثل الرياح وتنثني
إلى أن عرفتني بغير إنكار
فقالت أوصي شبيب وقل له
يلاقي هلالا صفا ووقار
إذا جاء أبو زيد يبغي حربكم
يكن شبيب في لقاه حذار
ترى عدد قوم هلال وعامر
أربع تسعينات ألوف جهار
أبو زيد مع أجاويد قومه عددهم
تسعين ألفا كلهم أمار
ودياب في تسعين ألف محارب
من آل زغبة من فروع كبار
وتسعين للقاضي بدير القائد
قاضي هلال فارس الجبار
وتسعين إلى حسن أبو علي
أمير حوى جاها وكل وقار
وهذا الذي أبصرت يا فخر الملا
وقولي صحيح ما به إنكار
فلما سمع شبيب هذا الشعر، وفهم فحوى الحديث، فقال للأكابر والأعيان من حضر في الديوان رأيكم في هذا الشأن؛ لأن بني هلال قد حضروا الآن إلى هذه الأطلال بعساكر كعدد الرمال، فقالوا: «إن الرأي هو أن نبادر بالقتال، ولكننا في أول القتال نرسل ونطلب منهم عشر المال، فإن أجابوك إلى هذا الطلب بلغت القصد، وإلا نحاربهم ونشتتهم في البر.» فاستصوب شبيب رأي القوم، وأرسل يطلب منهم عشر المال، وكتب إليهم يقول:
يقول المدعو شبيب بن مالك
لي قلب أقوى من صفا الجلمود
أنا صاحب العز والمجد والعلا
أنا صاحب الصيوان والعامود
ويا حسن قدم لنا المال عشره
وقدم لنا من أحسن الموجود
وقدم لنا عشر الخيول جميعها