وقول وظني وهو صحيح جبار
والعين عيني نحو مرعي تطلعت
فأشعل في قلبي لهيب النار
والغين غلب نجعنا من قبالكم
ونجم أبي واقف عليه غبار
والفاء فارقتم لنجد وأهلها
وجئتم إلينا لتكشفوا الأخبار
والقاف قابلتم كل معنى كلامكم
وقلتم معاني أطيب الأشعار
واللام لميتم رجال لحينا
وجئتم إلينا لتسكوا الأقطار
والميم مال الحب في قلب مرعي
ولولا مرعي ما نظمت أشعار
والنون نلقاكم على خيل سمر
وكل رديني أسمر خطار
والهاء همل دمع أصابني
على شأن مرعي انكويت بنار
والواو ولت خيلنا من رجالكم
وتبقى تونس والرجال قفار
والياء يبقى علمكم فوق علمنا
بإذن الله الواحد القهار
وحق الله ما أخون عهدكم
ولو قطعوني بالسيوف بنار
فلما فرغت سعدى من كلامها شكرها الأمير أبو زيد وجماعته على اهتمامها بهم، وباتوا تلك الليلة، ولما أصبح الصباح أمر الزناتي بإحضارهم، فلما حضر وقال لأبي زيد: «إذا أطلقناك إلى أن تأتي جماعتك من الأوطان، فكم يوم تغيب عنا؟ وماذا تجيب لنا؟» فقال: «أغيب ثلاثة شهور، وأجيب لك أربع مية ألف مدرع مشهور.» فقال: «وما هو مرادك من المدرع أيها البطل الصميدع؟» فأخرج الأمير أبو زيد من جيبه قطعة من الفضة الخالص وأنقى من الفضة الروابض، وقال: «هذا هو المدرع يا زينة المتالك.» ففرح الزناتي بذلك، وقال: «اذهب بأمان الأوطان.» فقال: «أعطني عدة حرب وحصان؛ لأن الطريق مخاطرة والأراضي موعرة.»
فأشار الزناتي مستجيبا إلى طلب أبي زيد وأطلقه، استجابة لمشورة سعدى ابنته. •••
وفي معظم النصوص الفولكلورية - الشفهية - تأخذ عزيزة ابنة سلطان أو باي تونس العجوز معبد، دور سعدى في الطبعات الشعبية المتداولة لسيرة وتغريبة وريادة بني هلال.
بل إن من الملفت أن البالادا الشعبية أو قصص الحب والحرب الشعرية، تحفظ لعزيزة ويونس، ذات الدور المناط لسعدى ومرعي، وكما أشرنا سابقا بالمتداول أو المتواتر إلى أيامنا، هي بالادا عزيزة ويونس، والتي اشتهرت بالسفاري عزيزة، وكانت إحدى المواضيع الثابتة داخل مسرحيات خيال الظل، وصندوق الدنيا.
بينما لم تستقل فابيولة أو قصة سعدى ومرعي، عن جسد السيرة لتصبح قصة أو حكاية شعرية غنائية بالقدر الملاحظ بالنسبة لعزيزة ويونس.
| الخفاجي عامر العراقي
وواصلت الهجرة الهلالية زحفها إلى أن شارفوا بلاد التركمان، وحاكمها هو الملك الغطريق الملقب بالغضبان الذي طالبهم كالعادة بعشر نسائهم، ودفع الجزية مهددا، فرد عليه أبو زيد منشدا:
يقول أبو زيد الهلالي سلامة
ونيران قلبي زايدات وقيد
يا غاديا مني على متن ضامر
تقطع فيافي برها وتعيد
إذا جيت إلى الغضبان بلغ سلامي
إللي خاطبتنا بالغيظ والتهديد
طالب بنات مكحلات نواعس
بنات الإمارة مثل ورد اللبيد
أما كنت تعلم يا خميس وراءهم
أسود قروم هلال وكل حسيد
وراءهم حسن أمير قيس
حامي الزناتي من كل قوم عنيد
وراءهم أبو لكسايدير بن فايد
على متن ضامر مثل نار وقيد
ورارهم أبو موسى دياب بن غانم
على ظهر خطر الغزال تصيد
وراءهم أبو ضرغام شيخ شبابنا
ستة آلاف قومه وتزيد
أنا أبو زيد الهلالي سلامة
لخلي الفوارس على التراب مديد
وأفني أكابركم وكل رجالكم
وأجعل دماكم على التراب تزيد
وفي هذه الحرب التي حسمها فارس الخضرا دياب بن غانم بقتله للغضبان، وفتح بلاده «وولى بنو هلال ابنه» بدلا منه، على أن يدفع لهم الجزية، وواصلوا زحفهم إلى أن نزلوا العراق، وعرف حاكمها واشتهر بالكثير من الفضائل والفروسية والمآثر يقال له الخفاجي عامر - يحكم على البصرة وبغداد والموصل والعراق وما يلي تلك البلاد - عنده من الأبطال والفرسان نحو مائتي ألف عنان، فبينما هو جالس في الديوان وحوله الوزراء والأعيان، إذ قد دخلت عليه الرعيان، وقالوا له: «اعلم يا ملك الزمان أن بني هلال قد دخلت ديارنا وأكلت من ثمار بساتيننا وأشجاره، وهم كالجراد المنتشر لم يعرف لهم أول من آخر وقد هربت من أمامهم الرعيان.»