وهو ما يمكن أيضا تواجده في الفولكلور الأوروبي بعامة، منها أغاني الملك كنوف على ضربات المجاديف للماء، وأغاني الكهنة المنشدين، وأغاني عمل النساء اللائي يطحن بالرحى، كما اتفق على تسميتها كتاب العصور الوسطى، وأشهرها أغنية تحكي معاناة الملك بيتاكوس الذي قضي عليه بأن يمضي بقية عمره يطحن بالرحى.
مثلما حدث وتمثل في أغاني «سعدى» ابنة الزناتي خليفة، قائد جيوش تونس، حين اغتاله خصمه الحميري القحطاني دياب بن غانم الزغبي وكان يعشق سعدى، التي كانت تحب بدورها مرعي، فكان أن سجنها دياب تطحن الرحى وترتدي ثياب الخيش حين رفضت حبه.
ولعل السيرة الهلالية أن تكون من أبرز السير والملاحم العربية التي استقلت عنها أعمالا قصصية وشعرية من نوع البالادا، كما لم يخل الأمر من المواويل التي استقلت بدورها عن هذه البالادا، تصوغ مدى عشق عزيزه ليونس، وسعدى لمرعي، وعالية لأبي زيد الهلالي.
منها الموال التالي الذي يتحدث عن عزيزة ابنة سلطان تونس «معبد بن باديس» التي عشقت عدو أبيها وبلادها، يونس ابن السلطان حسن بن سرحان الهلالي، سلطان الهلالية الغازين، حين تحايل فرسان الهلالية الثلاثة «مرعي ويحيى ويونس» حين ريادتهما لاستكشاف تونس مع خالهم أبي زيد الهلالي واضطرارهم لبيع عقد ثمين من الجوهر لعزيزة عن طريق دلال، ظل يفاخر بجمال يونس وفضائله أمام عزيزة:
آه يا ستي لو شفتيه
وشفتي طولو مع معانيه
تفوتي قصرك باللي فيه
واسمك الغالي نسبوه
فكان أن تحركت لواعج عزيزة نحو يونس، كما يصفها هذا المأثور التالي:
وقفت عزيزة في ريح القصر وريحانه
وقالت يا دلال صاحب العقد روح هاته
يا بخت من حدى بوصلك يا يونس في
يسود شعره، وتحلى عيشته المره
ولما قالوا لعزيزة دا يونس في الشجر بره
نزلت تهز اليلك وتقوللو كنت فين سلامات
ومن ابتلى بك يا يونس طج
1
وانسلى مات
خدتو على الصدر جوا القصر وراحاته
لمتوني
بكيت زليخة وقالت:
عشت في الذل لمتوني
ف حب يوسف يا بني يعقوب لمتوني
عملت عزومة زليخة ودبحت ميتين كبش ومن الغزال ستين
إلا وجولها البيض في أوان عصر
ومالوا وقالولها فين يا زليخة
اللي عليه البيبان ساكين؟
ما فتحت زليخة الباب ليوسف ما خرطت يدهم سكين
قالت آهو يا مساكين اللي عليه لمتوني
وزليخة هي امرأة العزيز، ويوسف هو النبي يوسف، والموال هنا يدور حول جمال يوسف وحسنه، ويؤكد الخرافة الراسخة عند الفلاحين التي تقول إن الخطوط المتقاطعة الموجودة في داخل كفة اليد، تأثير انبهار النساء - البيض - الذين عزمتهم زليخة وأحضرت لهن التفاح والسكاكين، وعندما شاهدن يوسف بهرن من حسنه فنسين أنفسهن، ومضين يقطعن بالسكاكين من كفات أيديهن بدلا من التفاح!
فقالت لهن زليخه شامتة:
آهو يا مساكين اللي عليه لمتوني
درغام يقول للخفاجا:
يوم غرب النجع ياما بكى درغام
وقال بيض الليالي مضت واللي بقى صار غام
2
رايح تغرب يابو دوابه
3
وفايت لصطبل والخيل فيه؟
بكى درغام وقال:
بيض الليالي مضت واللي بقى صار غام
بكر الصجر راح ما عادت تنفع الخلفيه
4
ظهر سبع في الغرب سموه الرجال خلفيه
5
ساعة يسمع الطبل ييجي مألوب كما درغام
بكيت بنته دوابه وقالتلو:
يابا أنا شايفه عينك ع السفر هتزول
درغام أبوك كبر وأمك شوله عقلها هيزول
الغربه تريه بابا تقل الأصول وتزول
ما قال بطلي بادوابه، مع الناس دول هنروح
زيدان عمل فيه طوله،
6
وصاحبي بالروح
مكتوب على باب تونس، قايمة في اللوح:
تفنى الخلايق، وكل العباد هتزول
الفصل الرابع عشر
| البنية القرابية وممارسات وأغاني الزواج والإنجاب
وبقدر ما تلتقي دورة طقوس الانفصال والغياب بالموت، عند معظم شعوبنا وكياناتنا العربية وما يتبعها من أغاني وتراتيل جنائزية مصاحبة لنوعية الميت وجيله وصيته، رجلا ذكر كان أو امرأة أنثى، أو عروس «بكرية» لم تتزوج.