2
ولعله أقدم تفسير عن الموت ومعاودة الحياة أو القيامة؛ كما تشير د. ماجريت موري.
وقد يكون هناك ثمة علاقة بين - ألوان - الطيور والحيوانات المشئومة، وبين الألوان الحزينة المشئومة بدورها، مثل الغراب - الأسود - النوحي، والسواد أو الحزن والليالي السوداء، وبالطبع تشمل هذه العلاقة بين ألواننا عن الفرح والآمال،
3
وهو الأبيض، وعلاقته أيضا بالحمامة النوحية، وبمعنى أصح الجلجاميشية، بعد أن أطلقها نوع أو كبير الآلهة البابلية أو نونبشتم حين عادت إليه في المساء، وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها.
ويبرز - طوطم - الحمامة ودلالتها عند الساميين بشكل ملفت جدا، فتسمية راحيل أو راشيل - أم النبي يوسف - هو كاهنة الحمام، ومنه تواتر إلى تسمية إسرائيل.
ومن اسم الحمام تسمت الملكات الربات الآشوريات: سميراميس، وسميرام، وسميرنا الليبية.
4
وقد لا ننسى الحمام في تراثنا العربي، وتحولات أبطال الخوارق والملاحم إلى حمام.
كما قد لا ننس حمامة الأيك، كطوطم وشعار إسلامي شامل ومغرق في القدم، وهو ما سنتعرض له في حينه.
وكما يقول الأستاذ تومبسون، فإن الأمر بالنسبة لذاكرة شعوبنا - السامية الشرقية - الفولكلورية، يمكن أن يطلعنا على الكثير من فيض النتائج الدقيقة، خاصة وأن رواة التراث وحفظته من حكواتية، ورواة سير ومداحين، وشعراء جوالين - تروبادوز - ما يزالون إلى اليوم يملأون حياتنا، وتزدحم بهم أسواقنا ومواليدنا، وتعج ذاكرتهم بالكثير، الذي يخالط التاريخ فيه الأساطير، والعكس صحيح.
وعلى سبيل المثال، فلنا أن نتصور أن عمر الانتقال إلى مرحلة الإعلام الإليكتروني - الراديو - لم يتعد حلقة واحدة أو نصف قرن، وقبلها كانت الغلبة للنص الشفاهي، وذيوعه عن طريق أدواته، وهم الحكواتية ورواة السير والملاحم، وفنانو الأفصال أو الفصول المضحكة، أو ما أطلق عليهم لويس عوض بمسرح الفلاحين.
5
ومن هنا ففي الإمكان التحقق من الكثير من تراثنا الحفري الفولكلوري، مثل افتراض العثور على مجموعات الحكايات المصرية التي ترجمت من البرديات التي عثر عليها في مصر د. فلاندرزبيتري، وغيره من الحفريين، وأعيد نشرها في الفرنسية عدة مرات، منذ أن نشرها للمرة الأولى ماسبيرو تحت اسم «حكايات شعبية فرعونية»، وظهر الكثير منها في الإنكليزية باسم «تسجيلات من الماضي»، كما نشر إيرمان مجلدين منها، كذلك أسهم في ترجمتها ودراستها علماء المصريات: جودوين، شاباس، أبيروس.
ولعل أكثر المغالين في قيمة هذه الحكايات المصرية هو إيرمان الذي أرجعها للأسرات المصرية الأولى،
6
بل هو أرجع بعضها إلى ما قبل التاريخ، رغم أن بيتري يأخذ عليه أن ترجمته لهذه الحكايات جاءت أدبية وصفية، مستخدما في إعادة صياغتها «الألف باء» الحديثة، سواء في الهيروغليفية أو الألمانية الحديثة، ومن هنا فقد تجنت ترجمة إيرمان المتحررة على الكثير من قيمتها الفولكلورية.
وسجل بيتري في الجزءين اللذين نشرهما عن حكاياتنا المصرية الفرعونية مجموعة ملاحظات بسيطة، منها إفاضة الحكايات المصرية، فالأعاجيب أو الملاعيب التي تذكرنا بملاعيب شيحا، وعلي الزيبق، وبعض سير آباء الكنيسة القبطية التي يعج بها تاريخها - الينكسار - والتي ما تزال تتبدى إلى اليوم أكثر وضوحا في حكايات الشطار، وهو ما أسماه بالينوفسكي بالفنتازيا المصرية.
كما سجل بيتري مدى خوف المصري القديم الدائم من أخطار البلاد الأجنبية خاصة الآسيويين، وأقربهم العرب والعبريون الساميون بالطبع من جانب، والليبيون والكوشيون النوبيون من الجانب الآخر.
كذلك تنبه بيتري إلى غياب وتدهور ملامح الشخصية المصرية في العصر المتأخر، بدءا من الدولة الوسطى؛ ولهذا يقول: «لهؤلاء الذين يتصورون أن هناك تشابها أو تماثلا يطبع كل مصر على أحقابها المختلفة، وهو ما لا تؤكده وتقطع به الحكايات المصرية، ذلك أن التغير من فترة أو عصر زمني لآخر يبدو جليا فيها.»