حجر زاوية هذا التراث العربي الإسلامي السامي هو القدرية الإقليمية، والأسواق وتبادل السلع والتجارة، ففيما يتصل بالحفريات الأدبية الخالصة، فإن الانتقالات (تحولاتها) من الشرق إلى الغرب واضحة تماما، ويمكن تتبع أي عمل خلال تنوعاتها وتأريخاتها المحددة (في الزمان والمكان) عندما تأخذ طريقها إلى الفرس والعرب والسريانيين والعبريين واليونان وأوروبا، ثم تراث الآداب اللاتينية في العصور الوسطى، وينطبق هذا على «الحكم السبع» ومحيط القصة وكل الكلاسيكيات الهندية، خاصة إذا ما كانت الوسيلة أو الوسيط هنا هم العرب واليهود المثقفين.
فهذه القنوات الأدبية التي أينعت عبر الشرق الأدنى وحددت مسار التراث، أضافت وحذفت الكثير منه؛ بما يدفعنا من جديد إلى إعادة التعرف على الشرق الأدنى وفولكلوره.
ثم ماذا عن الحكايات وتقاليد حياة الجماهير اليومية في إيران وفي مسبوتاميا - آسيا الصغرى - وتركيا وسوريا وفلسطين وحتى جيلنا هذا، فإن مجموعات فولكلور هذه الأراضي ما تزال ضنينة غير مستكشفة كما ينبغي.
ولقد تحركت أخيرا بعض الدول وأنجزت بعض الواجبات المصاحبة لحركة الإحياء والنهضة العامة، خاصة تركيا التي يقف وراءها الأساتذة المتخصصون: «إبيرهارد وبورتاث»، فدرست بعض أنماط الحكايات الشعبية وبعض الفارسيات الجديدة والمجموعات العربية والعراقية ذات القيمة العالية، لكن هذا ليس كافيا لتغطية احتياجات فولكلور هذه البلاد، وحيث تروى الحكايات بشكل متواصل كجزء من النشاط الدائم في الأسواق (البازارات). ويضيف د . تومسون قائلا، مشيرا إلى أهمية الفولكلور الفلسطيني: وعلى رأس كل فولكلور الشرق الأدنى تقف شفاهيات فلسطين، هذا على الرغم من عدم معرفتنا بها، وتوجد بعض المدونات المجموعات القديمة لتراث القرن التاسع عشر الشعبي، خاصة في سوريا وبلاد المغرب، إنه شيء مدهش الحصول على بقايا أساطير وحوادث الأولياء والملوك المقدسين، مثل سليمان وداود ويوسف، وبعد مرور ثلاثة آلاف سنة.
وكما يضيف الأستاذ تومسون، فإن الحيرة التي تصادف دارسي فولكلور الشرق الأدنى تتمثل في دراسة التراث الفلسطيني.
21
وللمنطقة بوجه عام تاريخها المعقد، واليوم ومع التقدم المقتحم والتغير المتلاحق، ومرة أخرى وعلى طول ألف عام من التوغل القومي، لدرجة أن القراءة الواضحة للتراث المدون كانت معضلة مثلها مثل حل ألغاز المخطوطات.
ولذلك فإن دراسة علم مثل الفولكلور لا تجدي مع الهياب، ولكنها تجدي فقط مع أولئك الراغبين في أن يهبوا ويكرسوا كل جهودهم لنداء الواجب؛ مما يتطلب الاطلاع الواسع والطاقة التي لا حد لها، إلى جانب التحايل الذوقي والعدالة، وأرجو أن يلعب جيلي دوره في إيجاد الحلول الميسرة لما يعترض من مشاكل وغموض.
ولعلني أتوقف هنا مختتما هذه المقدمة حول قضايا وأصول ومنابع تراثنا العربي الفولكلوري بعامة، وجانب الحكايات فيه بخاصة، والذي هو موضوع هذا المؤلف.
وترجع هذه الأصول والمصادر الأولى لتراثنا إلى عصور موغلة في القدم؛ أي منذ الحضارة المبكرة فيما بين وادي الرافدين، أي منذ السومريين اللاساميين الذين توارثهم الساميون.
| مقدمة ثانية
| نقطة بدء لحركة إحياء لفولكلورنا العربي
وإذا كنا في بعض الأحيان يجنح بنا الطموح إلى حد طرح منطلق يحقق بمقتضاه حركة إحياء للفولكلور العربي على طول بلداننا العربية، قد تجيء - فرضا - تحت مظلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، ومن مهامها بالدرجة الأولى إنجاز مشاريع قومية للتراث العربي، قد يتبلور في نهاية الأمر في تنشيط واستنبات حركة جمع للتراث الشفهي، تسمح في الإسهام كنقطة بدء لأطلس للفولكلور العربي بمجالاته المختلفة الأدبية: من شعر وحكايات ومأثورات وبالاد وأساطير وسير وملاحم، بالإضافة إلى بقية الأنشطة الأخرى؛ من تشكيلية وتعبيرية قوامها الفنون الزمنية من رقص وموسيقى ومسرح مرتجل.