تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غمغم وهو يستجلي شعارات الجدران والميادين: جميعهم لحقتهم أيدي الاغتيال الجماعي عبر البراري، سواء أدونيس لبنان، أو تموز ما بين النهرين، أو أوزوريس مصر من سفلى لعليا.

كان قد زار عابرا الكثير من المدن الأقل خرابا. الناس على الدوام جميعهم غرباء، ويبدو أن الوحدة الجاثمة تجيء ملازمة للقوة واستهدافها.

ولعلها المقولة الوحيدة لفيلسوف النازية والتفوق «نيتشه»، التي يحفظها له كثيرا «الإنسان القوي هو الإنسان الوحيد.» ورغم أنها مقولة مرعبة، إلى حد ما يحدث من دمار، وتبادل إطلاق النار العنصرية على المحاور، إلا أنه تقبلها، وقد تكون أراحته كثيرا، إلى حد تقبله لحالات تمريض نفسه بالقيء والمغص الكلوي، وحالات التسمم بالسكر ، عبر الفنادق والبنيونات الرخيصة في باريس والكوت وأزور ومرسيليا وباب خضرا في تونس وسوسة، تلك المدن المذعورة بالخوف والتربص، وهو في كل حالاته غريب وسط غرباء.

في الأسواق الشعبية للحرامية وسلع البالات الروبابيكا، كان يحلو له الاستماع إليها، تلك الحكايات الصغيرة الأقرب إلى ألوان الأطفال ورسوماتهم، سوى من اختلاف ضئيل يتصل بالتصميم، ذلك الذي يمتلك الجسد الأساسي لكل حكاية مفردة؛ حتى لتصبح مثلها مثل الكائن البشري الحي المهاجر دوما.

قالت: مفيش حاجة بتاعتي.

قال: منذ الضرب الجماعي.

تذكر أن بالقرب من ذات المكان «الجنوب اللبناني» سبق له التعرف على الحكاية الأم، حين أقدم إخوة يوسف الصديق - ابن الجارية المضطهدة راحيل، ابنة لابان بن تاحور السوري الفلسطيني الحوراني - الأحد عشر على ضربه وإلقائه في أعماق الجب.

غمغم: «لعلها ابنة غير شرعية لأم شامية فلسطينية ترويها الجدات والتيتات مع رضعات اللبن منذ المهد؛ لتستقر في المخيلة، وعنها ينتج ويجيء - على عادة الإرث والتوارث - كل مسوخاتها، عبر جيل وما يعقبه وذاكرة وأخرى. الذاكرة مستودع الحكايات الصغيرة، أين هي فيما يحدث؟!

الطبيعة الراعدة عبر البحر والجبال، والنار على المحاور، وسيول السيارات والشاحنات الحبيسة الكسحاء على الطريق المتعرج ما بين دمشق ومداخل بيروت.

قدم هذه المدينة هربا بجلده من حصارات أكثر قسوة، لماذا كل ما بداخل حقيبته لا يعدو مخطوطات الحكايات الصغيرة والاستطرادية التي دأبت الشفاه على أن تلوكها بلا توقف أو هوادة، من حيث إنها تحفظ ما يمكن أن يشابه الذكريات، تلك التي مكانها الذاكرة، مستودع الحكايات الصغيرة، التي قد توغل في قصرها وإيجازها، إلى حد المأثور، النكتة، أين هي فيما يحدث من حصارات الجليد، ودوي الانفجارات، وتلك الشبورة الجاثمة الثقيلة المغيبة لكل مرئيات؟

وفي لحظة متقاربة، بل لعله «أتموسفير» متناسق، هو ذلك الذي جمع بينهما منذ أول لقاء، حيث جاء كلاهما من بلده ومسقط رأسه، ومرتع طفولته، هي من إحدى قرى الجنوب التي يحتضنها الجبل الشاهق المائل؛ راشيا الفخار، هربا من اعتداءات إسرائيل التاخمة، وهو من إحدى قرى الفيوم، وما اشتهر عنها منذ فخار ما قبل التاريخ والدولة القديمة، مرورا بفخار الإقليم الأرسينوي البطلسي الهليني الروماني والقبطي، وحتى أيامنا، حيث يقوم الفلاحون وحفارو المقابر بنهبه بالمقاطف والجوالات من «كيمان فارس» وأهناسيا المدينة، وأبو صير الملق، وجميع الهوارات السبع، واللاهون.

أكداس من التماثيل الفخارية المهمشة في عمومها كان يحرص في جمعها على ما تبقى منها من رءوس الآلهة والملكات والآلهات: إيزيس، حورس، نفتيس، هاثور، وإله الموتى حارس الرمم أنوبيس، الذي يحرص تجار الآثار على تلقيبه بأبي الحصين.

هي هي ذات البلدان التاريخية للموتى وما خلفوه للأحياء، هي بذاتها الموغلة في العوز واللاأمن.

قال: لعلها هي هي المعضلة الجاثمة لسيول السيارات والشاحنات الحبيسة داخل أكداس الجليد، ويشاع عبر نداءات السائقين وإجهادهم أن الأمر قد يحتاج إلى نجدات عاجلة بالهيلوكوبتر.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ٢