تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسمع حديثا جانبيا بين المرضى والجرحى في أطراف العنبر شاهق الطول، شديد الضيق، الشبيه بإسطبل إنجليزي الطراز، طليت جدرانه بلون أصفر لموني، وما زالت لمبات سقفه المدلاة في أعناقها وسلوكها مشعلة، رغم أن الوقت كان ضحى نهار يوم جديد، قال أحد المرضى: إن ما حدث كان متوقعا، نتيجة منطقية في منطقتنا، فالنزال يفضي إلى ما نحن فيه.

سمع أوجاعا وتوجعات وسبابا كثيرا، معيدا تساؤله، بل هو راح يحرك عينيه مكتشفا ضياع منظاره، فتكور من فوره باحثا عنه على سريره، وما تحته وحوله، والطاولة وجيوبه بكاملها، فقدت، تساءل: الرئيس ... الباقين.

وضايقه جدا سماعه لتأوهات يعرفها، فتح عينيه عن آخرهما، ومسحهما بفوطة مستطلعا وجه العالية: ما معنى هذا؟

قال: ما معناه؟

قام من فوره مرضوضا مجرجرا إلى الخلف عنه ملاءة السرير حافيا إلى أقارب سريرها، فيما قبل منتصف العنبر شاهق الطول، ضامر العرض، قاربها، نائمة تغط كطفلة راضية أقرب إلى أن تكون في ضيعتها أو حديقة بيتها الريفي، منها إلى هذا العنبر، تحسس جبهتها عن قرب في ذات اللحظة التي قاربت السرير فيها ممرضة، لامست يدها يده قبل أن تستقر على جبهة العالية نائمة، انسحب من فوره عائدا إلى سريره كمن يطمئن نفسه: تنفسها طبيعي.

استقر المهاجر على سريره مدخنا في شره، صامتا بلا منظار، لحين انفتاح أقصى أبواب العنبر ودخول وفد الأطباء وكبار الزائرين يتقدمهم ثلاثة مصورين صحفيين، راحوا يصورون كبار الزوار وهم يسلمون على المرضى والجرحى، ويقدمون لهم الزهور الصناعية والشيكولاتا، والهدايا التذكارية في لطف بالغ، والمصورون ينحنون ويتلوون بفلاشاتهم لتغطية كل الزوايا.

ولدهشته اكتشف الرئيس ونائبته في مقدمة الوفد الوزاري الزائر. - هما!

تنبه مادا جذعه الناحل الطويل المنتهي بوجهه وأعلى ذقنه المشرئبة، حين قارب الوزير وكبار الزوار فراش العالية، والمحاولات الكثيرة التي بذلت من الأطباء والممرضين والسيسترات لإيقاظها، بل حتى مصوري الصحف والتليفزيون أخفضوا من إضاءاتهم التي كانت منذ قليل مسلطة كمثل جمر فحم على وجهها الفينيقي البرنزي وسباتها، وذلك التنفس الهادي الوردي الصادر عبر أنفها الطويل القائم كمثل زاوية منفرجة مع سطح الوجه المسترخي إلى حد النوم. - تنفسها طبيعي للغاية.

اعتدل جالسا في منتصف سريره، تسح عيناه رامشة أكثر بلا منظار.

على هذا النحو رمقه الرئيس ونائبته حين أحاط بفراشه ستة مصورين مسلطين إضاءاتهم، بل إن بعضهم اعتلى سريره بحثا عن زوايا جديدة، وتكوين مبتكر.

وظل هو يرمش في قرفصته، ضاما ركبتيه الناحلتين بساعديه، باذلا أقصى جهده في أن يبدو ثابتا تحت وابل الإضاءات المكثفة والعيون، خاصة الرئيس والنائبة التي سبق أن التهمت سؤاله على الورقة قبل أن يقع الدوي المفاجئ بلحظات: توقيت مريب، عقاب.

قاربه الرئيس دون أن يراه، وقدم له منظاره، فابتسم من فوره، ووضعه على عينيه فرحا أكثر مما شجع النائبة البضة على بذل جهد أكبر وأشق في التدافع مع المسئولين ومصوري الصحف النشطين الذين اجتذبتهم زوايا جديدة لإعادة تصويره بالمنظار مبتسما، فرحا، متطلعا إلى ما حوله في حالة من الصفاء المحلق نادرة.

لكن ما أزعجه حقا هو محاولته لرد التحيات الكثيرة التي انهالت عليه: حمدا لله على السلامة.

ذلك أن صوته الأجش المبحوح على الدوام لم يخرج أصلا ليصل أذنا قريبة منه إلى حد ملامسته والتقارب معه داخل «كدر» فوتوغرافي.

مضى معانيا في توضيح حركة شفتيه للرد على كبار الزوار وصغارهم، لمجرد المجاملة، تبادل التحيات: متشكر قوي، دا كرم منك، سليمة سليمة، إلهي يهد حيلهم.

بل هو حاول التندر مع الوزير بنطق: «عمر الشقي بقي.»

إلى حد مقاربته ليصب مزحته هذه في أذنه اليمنى بلا طائل، ذلك أن الوزير وسكرتيرته الحسناء وطبيب العنبر أعادوا المحاولة لسماعه ثلاث مرات. الوزير، السكرتيرة، طبيب العنبر إلى أن تقدم منه الرئيس والنائبة في انزعاج قليل لاستيضاح الأمر، فلعله يتشكى، حتى إن النائبة قاربته بدورها مهونة واعدة: سؤالك عندي، في عنيه.

بيروت البكاء ليلًا · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بيروت البكاء ليلًاص ١٧