ولكن رغم هذه الانتصارات المؤقتة خلت الساحة للزناتي ليصول ويجول موقعا الهزائم بالهلاليين نتيجة لغياب قطبي التحالف الهلالي دياب وأبي زيد ، ووصل الزهو بالزناتي إلى حد إعلان تحديه بالحرب والنزال للسلطان حسن بن سرحان ذاته، الذي نازله مرات على رأس قواته لكن دون إحداث تقدم محقق، إلى أن طالبته القبائل الهلالية بالكف عن منازلة الزناتي.
واستقر إجماع مجلس المشورة على أن ينازل الخفاجا عامر الزناتي بدلا منه، رغم محاولة خليفة الزناتي تحييد الخفاجا عامر عن طريق مفاوضاته ومساوماته له بهدف إخراجه من التحالف الهلالي، كما يتضح من شعر الخفاجا:
أمس أرسل الزناتي يقول لي
كلاما أكيدا واضح الأسرار
يقول لي يا أمير اترك قتالنا
وكف عنا جملة الأضرار
وعدني بالمال والملك والعطا
يرغبني في معدن وإبهار.
إلا أن الخفاجا عامر رفض تلك المراسلات والمفاوضات الجانبية، معلنا ومقسما على رءوس الأشهاد أنه سيتصدى لحرب خليفة الزناتي عشرة أيام متصلة دون توقف، وذلك برغم مخاوفه الداخلية وأحلامه وكوابيسه الليلة، وكذلك تحذيرات ابنته ذوابة من منازلة الزناتي. وأنشد حاكم العراق الخفاجا عامر يقول مخاطبا الزناتي:
وما أود أخون العيش يا أبو سعدى
أخاف ترخص عندها أسعارها
أود لا أكون الخفاجا عامر
في جاه صغارها وكبارها
أصبح هزيل في هلال مسخ
ويكشفون غروضها وصخورها
لكن اليوم جئت إلى حربك
لا بد أسقيك كأس مرارها.
وما إن فرغ من إنشاده حتى التقى الفارسان في حرب وصدام شديدين والخفاجا عامر يواصل تسديد ضرباته إلى أن انفك عزم خليفة الزناتي أمامه فولى هاربا للنجاة طالبا.
واستعر لهيب النزال بين الخفاجا عامر وخليفة الزناتي ثلاثة أيام متصلة، أحرز فيها الخفاجا تفوقا على الزناتي وجنده في كل واقعة، كان يعود بعدها إلى الهلاليين منتصرا كأرجوان أحمر مخضب بالدم.
ولم يجد الزناتي من وسيلة أمامه للإيقاع بالخفاجا عامر سوى اللجوء للحيلة والمكيدة التي دبرها ابن أخته العلام، حين أرسل في أعقابه عقب عودته من إحدى المعارك مظفرا باتجاه جناين الورد فارسا تونسيا يدعى «الخطيب»، فكمن له بين الأشجار وهو متعب واغتاله بخنجره المسموم.
وأنشد الخفاجا عامر مرثيته القومية الكبرى وهو يسلم روحه بين يدى ابنته ذوابة، وفيها يوصي الهلاليين بمواصلة القتال وجمع الشمل العربي من العراق ومصر والمغرب العربي:
يا أيها الطير الذي طار بالفلا
تسعى إلى الدهر الذي بك طالع
تأكل ربيعا بأرض مصر وزرعها
وتبيض بأرض العراق المواضع.
وبموت الخفاجا عامر العراقي حطت الأحزان القاتمة السوداء على الهلالية، ورثته ابنته ذوابة والنساء العامريات، أو نساء بني عامر من عراقيات وفلسطينيات، بأبلغ المراثي والأشعار الجنائزية لذلك الفارس المغتال على بوابات قرطاج السبع.
| النساء يحلقن شعورهن استنجادا بدياب
عمت الأفراح في تونس وقلاعها ابتهاجا بذلك النصر الكبير الذي أوقعه الزناتي بالهلالية، بدحره لقواتهم وقتل قادتهم وأمرائهم خارج بوابات قرطاج منذ وصولهم إليها ونزولهم وادي الرشراش.
وكان آخر أولئك القواد رأس التحالف العراقي الخفاجا عامر الذي تمكن منه الزناتي بالحيلة والمكيدة، التي اضطلع بتصميمها ابن أخته العلام، فجاء حادث مصرعه الفاجع داخل أغوار استراحته بجناين الورد اغتيالا أكثر منه قتلا.
بل إن هذه الانتصارات غير المتوقعة رفعت بدورها من شأن العلام وأعادت إليه ثقته بنفسه وقدراته، فلعلها وبعدما أصبحت حديث الجميع في قرطاج وتوابعها تصل يوما إلى أذني بنت معبد التي ألحقت به الإهانات المشينة دفاعا عن فتاها الجديد يونس وبقية عيون وجواسيس بني هلال، الذين تشدد العلام في عدم تسليمهم لذويهم وقبائلهم مهما حدث. - طالما أنهم تسللوا إلينا بكامل إرادتهم.